بواسطة : .
12:01 ص - 2022/12/17 - 870 views
الوثاق ـ بقلم الأستاذ ـ عبدالرحمن بن محمد الحمد
قد يتوهم البعض أن الاستبداد الثيوقراطي الصفوي في بلدان المخروط الجنوبي للقارة اللاتينية هو نتيجة حتمية لقدوم المهاجرين العرب الأوائل على غرار الاستعمار الإسباني للأمريكيتين الذي دام ثلاثة قرون من الزمن، بيّد أنَّ المتأمل لواقع الحال في تلك البلدان يجد أن هذين السببان؛ اللذان يتبناهما أتباع الفلسفة الإمامية، وتروج لهما وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالإسبانية، آخر ما يمكن أن يشكلا واقعاً تاريخياً – كما يزعمون -، حيث كانت ولا زالت المساجد السنية الوحيدة التي تمثل المسلمين في هذه الدول منذ أواخر الثمانينات، فلم يكن آنذاك تجمعات صفوية اثنى عشرية ولا غيرها من الحسينيات التابعة لها على الإطلاق، وإنما كان هناك بعض المهاجرين العرب انصهروا في المجتمعات اللاتينية ومات غالبيتهم على النصرانية، ولم يكن لهم أي تمثيل ديني رسمي إلا خلال حقبة التسعينات بعد اعتناق بعض أبنائهم الكاثوليكيين عقيدة الاثنى عشرية التي أصبحت تحت مجهر بعض وسائل الإعلام اللاتينية قبيل ضلوع النظام الإيراني في تفجير جمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية في بيونس آيرس عام 1994م.
وقد لجأ النظام الايراني بعد الحادثة الآنفة الذكر بالاستعانة بالأحزب الماركسية والتيارات اليسارية في بعض الدول اللاتينية لتطبيق استراتيجياته الرامية إلى شيطنة الدول العربية والإسلامية بما يحقق أهدافه الصفوية في التغلغل داخل المجتمعات وأروقة الحكومات في المناطق اللاتينية من خلال استغلال المنصات الإعلامية للتأثير على الرأي العام واستمالته من جهة، وتفعيل القنوات الدبلوماسية من جانب آخر لنشر المذهب الاثنى عشري عبر المراكز الثقافية الإيرانية، والتي وصفها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري في صحيفة الميركوريو عام 2016 بأنها “مراكز تدعو للعنف والتطرف”.
وبصورة عامة، فإن تمدد الإمامية لا يذكر ولا يمثل الغالبية العظمى من المسلمين في تلك المناطق، فهم يحاولون تصَدُّر المشهد الإعلامي لإقناع الشارع العام اللاتيني بأن مراكزهم تمثل الجالية الإسلامية قاطبة تحقيقاً لسياساته وترويجاً لدوره في المنطقة؛ بنفس المزاعم الكاذبة التي يتشدق بها دائماً في كل وقت وحين، فهو يُظهِر نفسه أمام الغرب بنفس الصورة المزيفة التي تعودنا عليها بأنه يكبح جماح الإرهاب ويسعى لمجابهة تمدد الجماعات الإرهابية في منطقة أمريكا اللاتينية والعالم، في الوقت الذي منعت فيه السلطات البرازيلية فيما مضى هجوماً إرهابياً عبر توقيف العضو السابق في “حزب الله” فادي حسن نابهة و 12 شخصاً من مناصري تنظيم “داعش الإرهابي” خلال الفترة التي سبقت الألعاب الأولمبية في مدينة ريو دي جينيرو آنذاك، وفقاً لما أفاد به المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية والخبير في شؤون “حزب الله” ماثيو ليفيت، وتناقلتها بعض وسائل الإعلام.
ولمعرفة إلى أية مدى يمكن أن يصل إرهاب نظام الملالي، فقد أظهرت تحقيقات صادرة عن الأجهزة الأمنية التشيلية (PDI) عن عدد من الشركات -التي يسيطر عليها حزب الله الإرهابي – العاملة في مجال التصدير في المنطقة الحرة لمدينة إيكيكي الحدودية مع بوليفيا، والتي ضبط بحوزتها على عدد من المتفجرات وكذلك على مركبة مهيأة للتفجير.
وبنفس الإطار السالف الذكر، تمكنت الجهات الأمنية الإكوادورية من تفكيك شبكة لتهريب المخدرات يديرها صاحب مطعم لبناني يعمل على جمع التبرعات لصالح حزب الله الإرهابي عبر هذه الشبكة، كما كشفت أيضاً عن ضلوع الحزب في شراء ذمم عدد من موظفي المنافذ الحدودية للتهرب من نقاط التفتيش الأمنية.
وفي سياق متصل، أصدر المدّعي العام الأرجنتيني، ألبيرتو نيسمان، الذي قُتل خلال تحقيقه في تفجير “الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية” تقريراً حذّر فيه على وجه التحديد سلطات دول المخروط الجنوبي لأمريكا اللاتينية وحثّها على ضرورة التيقّظ من التسلّل الإيراني في المنطقة من خلال ذراعه “حزب الله” الذي وسّع أنشطته المتعلقة بتهريب المخدرات وغسيل الأموال في أمريكا الجنوبية في أوائل ثمانينات القرن الماضي بهدف توفير الملاءة المالية اللازمة لتحقيق أطماع إيران التوسعية.
وقد بذل رؤساء بعض الحكومات اللاتينية جهوداً كبيرة لتحديد مواقفها مع السياسات الإيرانية حول العديد من الملفات من ضمنها مواصلة الاخيرة انتهاك ابسط مبادئ حقوق الإنسان، والقمع الممنهج الذي يمارسه نظام الملالي ضد الأقليات من العرب الأحواز، والأذر، والبهائيين، والبلوشستانيين، والأكراد، والنصارى، واليهود، والمسلمين، والصوفيين، وكذلك من يدافع عنهم يضاف إلى ذلك تهديده لحرية التعبير، وحرية المعتقد، علاوة على التهديد المستمر للدول العربية والتدخل في شؤونها الداخلية، وهو الأمر الذي أثار عدداً من التساؤلات حول الأسباب والدوافع والمصالح الاستراتيجية التي يمكن تحقيقها من خلال تعزيز علاقات الدول اللاتينية مع إيران الراعية للجماعات الإرهابية كحزب الله، وداعش، والتيارات المرتبطة معها بسياقٍ أيدولوجي متطرف كجماعة الإخوان المسلمين وتياراتها الفكرية المنبثقة منها كالسرورية وغيرها من الجماعات المتطرفة.
ولا أرى فيها سوى نتيجة مفادها أن تعزيز التعاون الثنائي مع النظام الايراني من شأنه أن يعرض الأمريكيتين لمخاطر جديدة غير متوقعة.
أعجبنى
(20)لم يعجبنى
(0)