بواسطة : .
10:34 ص - 2023/01/30 - 579 views
الوثاق – الأستاذ: عبدالرحمن بن محمد الحمد
منذ نمو جماعة “حزب اللات” أو ما اسميه “حزب المقاولة والمتاجرة بإسم الإسلام” والذي ظهر في خضم فوضى الحرب الأهلية التي عصفت في لبنان عام 1982م، أعلن الحزب عزمه القضاء على التواجد الإسرائيلي والغربي في كل من لبنان وفلسطين بهدف إقامة دولة إسلامية في تلك الدولتين تحقيقاً للعدالة والحرية (بحد زعمه) وهي الشعارات البراقة التي انطلت على الكثير من الدول وشعوبها وخاصةً العربية باستثناء القليل منها وعلى رأسها المملكة التي اتخذت موقفاً صلباً وقوياً تجاه السياسات المشبوهة للحزب إبان ظهوره آنذاك واستطاعت بوقوفها على إرث المبادئ والثوابت التي ترتكز عليها سياستها الخارجية من استقراء الواقع السياسي واستشراف مستقبله حيال الشبهات التي طالت الأهداف السياسية للحزب وسلامة مقصده، وهو الأمر الذي جعل المملكة معه تتعرض للعديد من الهجمات الإعلامية الشرسة، وأبرزها في عام 2006م بدعوى”المقاومة والممانعة” مصدرها دولٌ تعاني حالياً من أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة ألقت بظلالها على أوضاعها الأمنية.
ومن غير المرجح أن تلك الدول التي دعمت الحزب وأنصاره بشتى صنوف الدعم كانت قادرة على رؤية أطماعه التوسعية وسياساته المشبوهة؛ نظراً لأساليب الخداع المتعددة التي انتهجها الحزب ومن أبرزها: الترويج لوهم انعكاف مصير الأمة الإسلامية بمصير الحزب؛ الذي روْجَ ارتباط أيدولوجيته السياسية على أساس مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي اكسبه تعاطف الكثير من المناهضين للتواجد الإسرائيلي داخل فلسطين على غرار الهيمنة الغربية في تلك الحقبة، كما أن قرار الحزب المشاركة في الانتخابات الداخلية لعام 1991م (بدعم إيراني) بمثابة انتقاله الفعّال للمشاركة في السياسة اللبنانية؛ بهدف كسب أكبر قدر ممكن من ولاء المكون الشيعي من خلال التغلغل في أروقة المؤسسات العامة والخاصة، وبالتالي استطاع بناء قطاعات خدمية تتكون من 3 وحدات: صحية، واجتماعية، وتعليمية، مما يمكن من خلالها خلّق نقاط جذب لتجنيد الأنصار وكسب الولاء والانتماء، ومع مرور الوقت تمكن الحزب من أن يكيّف رسالته الدينية الأصولية مع الثقافة المتعددة في لبنان.
وأرتأى الحزب القيام بتصريحات ممنهجة بهدف خداع منسوبيه وأنصاره عبر إعادة تأكيد مواقفه، وإبراز رؤيته السياسية، واستعراض تطلعاته واهتماماته، وتبرير أفعاله التي تلّخص أيدلوجيته وأهدافه، وهي ما سوف أسردها بناءً على قراءاتي في العديد من التقارير الصادرة عن معاهد استراتيجية محايدة في طرحها للملفات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وقد توصلت للآتي ذكره:
(1) يلجأ الحزب في خداعه للأنصار بمحاولاته المستفيضة تصوير إيران كنموذج للحرية والاستقلال وبدونها لا بقاء للأمة الإسلامية.
(2) يحاكي الحزب عاطفة أنصاره من خلال الترويج عن عزمه القضاء على الوجود الإسرائيلي في فلسطين.
(3) الترويج عن دور الحزب في توفير الأمن في لبنان كحركة مقاومة قادرة على سد الثغرات في الجيش عند مواجهة الغزو الإسرائيلي.
(4) يصور الحزب نفسه على أنه مدافع عن المظلومين والضعفاء في مواجهة ما يعتبره ظلم الأقوياء.
إن المتمعن في الحيثيات الآنفة الذكر يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن توجهات الحزب التي يروج لها لا تعدو كونها مقصلة فوق رقاب الدولالعربية، كما تعد سلوكياتها المضللة انتهاكاً صارخاً لحق الشعوب العربية باستغلال عاطفتها الدينية تحقيقاً لأطماع خارجية؛ تسعى للتوسّع وفرض أيدلوجيتها المتطرفة على حساب تنمية أوطانها ورفاهية شعوبها التي ترزح تحت وطأة الفقر وبراثن الفاقة.
كما أن القراءة المرجعية للتفاصيل السالفة الذكر؛ يمكن معها إدراك حقيقة أهداف الحزب الجانحة نحو العنف والإرهاب، وهو ما يمكن تصوره من واقع المشهد الحالي على غرار تورط الحزب في الكثير من الهجمات الإرهابية التي نفذها منذ ما يقارب 30 عاماً، مثل: التفجيرات الانتحارية ضد البحارة الأمريكيين، والجيش الفرنسي في بيروت عام 1983م، والهجوم الانتحاري على السفارة الأمريكية في بيروت عام 1984م، كما وقعت في عام 1985م العديد من الهجمات الإرهابية التي نفذها الحزب منها: الهجوم الإرهابي على مطعم (El Descanso) في إسبانيا، وكذلك اختطاف طائرة مدنية أمريكية على خط سير أثينا – بيروت، مما أسفر عن قتل راكب، كما اختطف الحزب في عام 1987م طائرة مدنية أقلعت من الكونغو متجة إلى باريس، مما أسفر عن مقتل راكب، بينما تورط الحزب في عام 1996م في التفجيرات الإرهابية الغاشمة التي طالت أبراج الخبر بالمملكة، بالإضافة إلى الإعتداءات الإرهابية التي طالت حرمة العديد من السفارات والقنصليات العامة المعتمدة لدى الدول المضيفة في شتى أنحاء المعمورة، على غرار حملة الاغتيالات المنظمة التي استهدفت بعض الدبلوماسيين والشخصيات السياسية الإعتبارية من قبل الحزب على مدار 3 عقود من الزمن، وهو الأمر الذي وضع الحزب تحت عين المجهر الفاحصة، خاصةً وأن هذا النهج الدموي الجانح نحو السياسات الراديكالية الثورية، والذي يتبناه الحزب أصبح مقدمة لهجمات إرهابية لاحقة وقعت في بعض دول أمريكا اللاتينية، وأوروبا، والدول الشرق أوسطية، كما أنه نهجٌ يتعارض مع رؤى الدول السلمية وعلى رأسها المملكة برؤيتها الهادفة إلى البناء والسلام والازدهار، على عكس أهداف الحزب الساعي لنشر الدمار والخراب والفوضى في المنطقة والعالم بإيعاز مباشر من ملالي طهران.
وقد حاولت إيران فك ارتباطها بالحزب ظاهرياً أمام الإعلام الدولي من خلال تنصلها من الهجمات الإرهابية التي قام بها ذراعها على مدار السنوات الماضية، وتقليل الدعم المالي خاصةً بعد تورط الحرس الثوري بتعاملات مشبوهة مع الكرتيلات اللاتينية، بغية إضفاء صبغتها كدولة سلمية، أمام المجتمع الدولي؛ الأمر الذي استدعى الحزب إلى اللجوء لمختلف الطرائق من أجل تمويل مشاريعه المشبوهة عبر المكاسب التي يتلقاها من تهريب المخدرات وغسيل الأموال، وهو ما أثبته الجنرال كينيث توفو، نائب القائد العسكري في القيادة الجنوبية، والذي أكد بتصريح نشر عبر صحيفة (إنفوبيا الأرجنتينية) قوله بأن “الحزب المذكور يعمل مع تجار مخدرات مكسيكيين، كما أن جزء كبير من أموال الكوكايين التي تذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية هي أموالاً مغسولة في خزائن الحزب والتي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات”.
ولمعرفة حيثيات ما يقوم به الحزب من الأعمال غير المشروعة، فقد أطلقت وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية عام 2008م مشروع (كاسندرا) الرامي إلى تعقب الحزب وأنشطته المشبوهة، وتلّخص التحقيق بهذا الشأن وبالتعاون مع 30 بلداً بعد إجراء عمليات تعقب وتنصت وتحليل المحادثات الهاتفية للحزب إلى كشف عمليات لتهريب المخدرات وغسيل الأموال أجريت بين كارتيلات إجرامية في بعض دول أمريكا اللاتينية، مع ميليشيا الحزب الذي يمول من خلالها مشاريعه عبر المثلث اللاتيني الحدودي بين البرازيل، والأرجنتين، والبراغواي مروراً بكولومبيا، وبنما، والمكسيك وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها إلى أوروبا عبر أفريقيا ومن ثم الشرق الأوسط.
ويمكن تلخيص الأعمال غير المشروعة، والتي ينخرط فيها أتباع الحزب في داخل لبنان بمباركة سوريا وإيران؛ وأذكر على سبيل المثال لا الحصر تاجر المخدرات المنتمي للحزب المدعو نوح زعيتر وغيرهم من تجار الممنوعات الذين سبق وأن تناقلت الصحف أسمائهم ونشرت انتمائهم المذهبي للحزب، بعد تورطهم بتهريب شحنات كبيرة من الكبتاجون تم ضبطها في المملكة محملة بالرمان، على غرار إجهاض سلطات بعض دول الخليج تهريب عشرات الملايين من المخدرات ضمن شحنات زراعية، مما ينبأ ضلوع الحزب بكافة الأنشطة غير المشروعة، في تزايدٍ خطير لآفة المخدرات، والذي يؤكد فشل الجانب اللبناني في اتخاذ إجراءات من شأنها الحد من مخاطر تهريب المخدرات، وهو الأمر الذي أدى إلى اتخاذ المملكة قرارات، من ضمنها إيقاف الإيرادات اللبنانية حرصاً منها على سلامة أمن شعبها، ولدرء المخاطر التي يمثلها ميليشيا الحزب الإرهابي بعد سيطرته على مفاصل الدولة اللبنانية والتلاعب بقراراتها، كما جاء قرار المملكة سحب سفيرها لدى لبنان، تأكيداً على رفضها ومواجهتها للمشروع التوسعي لملالي طهران المستهدف للهوية العربية وشعوبها بوجه العموم.
وأعتقد بأن تحقيق الغايات الرامية إلى حفظ الأمن والسلم الدوليين، تبدأ بإدراك ضرورة تبني المجتمع الدولي إجراءات صارمة ذات أطر قانونية، والتي من شأنها رفع سقف العقوبات (فعلياً) لأقصى درجة ممكنة بهدف تضييق الخناق على الدول الراعية للإرهاب أولاً، ومن ثم القضاء على الأحزاب الإرهابية من خلال تفعيل عمل المراكز الأمنية والتحالفات الدولية التي أنشأت لهذا الغرض.
أعجبنى
(5)لم يعجبنى
(0)