بواسطة : .
9:40 م - 2023/07/20 - 930 views
بقلم ـ أ.د. سهل بن عبد العزيز الهاجوج
قد يبدو عنوان مقالي غريبا وليس عقلائي لبعض الناس من ليس لهم دراية في علم الجراثيم. لكن الحقيقة تقول العنوان نفسه أي لا تقتل جراثيمك! وحتى تتضح فكرة المقال والهدف من محاولتي منع الناس من قتل جراثيمهم دعوني اشرح بإسهاب مبسط لماذا ادعوا لعدم قتل الجراثيم؟
اكتشف العلماء بعد اكمالهم الترتيب الوراثي للإنسان في عام 2003 بان فهم التركيبة الوراثية لجسم الإنسان لم تكن كافية لفهم بيولوجية الإنسان لان هناك جراثيم تقدر بالمليارات تغطي جسم الإنسان وتعيش داخل معدته منذ لحظات ولادته وتستمر معه حتى اخر لحظة في حياته. مجموعة الجراثيم هذه كبيرة جدا ومتنوعة من البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات والبدائيات وتسمى مجتمعة ميكروبيوتا.
Microbiota
هذه الجراثيم تفوق في مجموعها سواء داخل جسم الإنسان او خارجه عشرة اضعاف خلايا الإنسان نفسه. واستنادا الى هذه المعلومة لا نجانب الصواب ابدا إذا قلنا ان الإنسان هو مجموعة من الجراثيم يتحرك على الأرض.
هذا التجمع الجرثومي يلعب دورا هاما ومحوريا في صحة الإنسان. لذا سمي مشروع دراسة هذه الجراثيم باسم المشروع الثاني للتركيبة الوراثية لجسم الإنسان. الدراسات العلمية تقول ان الميكربيوتا يلعب دورا أساسيا في صحة الإنسان ومرضه. فهذه الجراثيم مجتمعة وبتداخلها مع جسم الإنسان وما يدور بينهما من تواصل فإنها قد تكون مسؤولة عن الكثير من الأمراض او انها بالفعل هي المسؤولة عن الأمراض المناعية والفسيولوجية وبعض امراض القلب والامراض النفسية والتوحد وامراض أخرى. الميكربيوتا التي تعيش في المعدة على وجه الخصوص هي المسؤولة عما ذكرنا أعلاه من امراض. هذه الميكربيوتا تحكمها البيئة التي يعيش فيها الإنسان وكذلك جسم الإنسان نفسه وتركيبته الوراثية. ومن عجائب الله في جسم الإنسان هو ان هذه الجراثيم “تتحدث” او تتداخل مع جميع أعضاء الجسم الداخلية والبعيدة عن المعدة كذلك. من هذه الأعضاء الكبد والقلب والدماغ. فهي أي الجراثيم تتحدث مع الدماغ على سبيل المثال عن طريق
Brain-Gut access
الذي يسهل عملية التواصل بين الدماغ والمعدة. لذا تعزى بعض الأمراض مثل التوحد والزهايمر الى الميكروبيوتا.
وكما ذكرنا أعلاه ان البيئة وجسم الإنسان عاملان رئيسان مؤثران في التركيبة الجرثومية التي تعيش في المعدة وكذلك هما في الوقت ذاته عاملان مؤثران في تحديد وظيفة هذه الجراثيم. بالإضافة الى هذان العاملان نذكر عوامل أخرى منها المحتوى الغذائي الذي نأكله والأدوية التي توصف لنا والعلاجات الإشعاعية والكيمائية والمضادات الحيوية.
ومن حكمة الله المدهشة حقا ان جعل هذه الجراثيم تعيش في انسجام تام مع جسم الإنسان و مع بعضها البعض في توازن دقيق يكفل هذا التوازن ان لا يطغى نوع من الجراثيم على نوع اخر. في حالة التوازن الدقيق تعيش هذه الجراثيم في حالة سلم مع نفسها ومع جسم الإنسان وتستفيد من وجودها داخل المعدة وتضمن للإنسان حالة صحية بإذن الله.
الميكربيوتا سلاح ذو حدين احدهما قاتل. وللتوضيح لو ان حالة التوازن التي أشرنا اليها أعلاه اختلت لسبب ما لأدى هذا الاختلال الى امراض لا حصر لها ومن ابسط هذه الأمراض الحالة النفسية والمزاجية. الجراثيم تنقلب في حالة اللاتوازن الى جراثيم انتهازية ممرضة وهي ذاتها مفيدة وضرورية في حالة التوازن. هنا يتضح لدينا مفهوم وسطي وهو ان جرثومة ما بعينها قد تكون مفيدة وقد تكون ممرضة. بكل تأكيد هذا المفهوم يضاف الى مفهومين سابقين يعرفان بهما الجراثيم اما ضارة او نافعة.
ان تكون الجرثومة نفسها أحيانا ضارة وأحيانا أخرى نافعة هو محور مفهوم عمل الميكربيوتا. إذا مجموعة الجراثيم أي الميكربيوتا داخل معدة الإنسان ضارة -نافعة. ما يحدد أي دور هذه الجراثيم تلعب هو حالة التوازن. جدير ذكره ان الدراسات التي تحاول فهم عمل هذا التكون الجرثومي لا زالت في بداياتها. بمعنى اخر لا أحد يفهم على وجه الدقة كيفية عمل هذه الجراثيم في تلك البيئة أي داخل معدة الإنسان. لذا انبثقت دراسات جديدة تحت مسمى ميكربيوم تعنى بدراسة الجينوم لهذا الجراثيم.
حالة التوازن مهمة حتى لا نمرض. ولوا اختل هذا التوازن لأصبح الإنسان عرضة للأمراض. لذا نصيحتى هنا ان نبتعد بقدر ما نستطيع عن العوامل التي تؤدي الى اختلال التوازن في مجاميع الميكربيوتا. ولعلي هنا أركز على المضادات الحيوية التي تحدث خللا كبير في توازن الميكربيوتا. المضادات الحيوية تقتل بعض السلالات البكتيرية، ولكنها لا تؤثر على الفيروسات مما يؤدي الى استفحال مجموعة على أخرى وبالتالي التسبب في العديد من الأمراض. ولعل الأطباء يأخذون في الحسبان هذه الحقائق العلمية عند وصفهم المضادات الحيوية لمرضاهم. و في محاولة لاستعادة التوازن قام العلماء بزراعة فضلات حيوان وإنسان مأخوذة من اصحاء في أناس وحيوانات لديهم حالة لا توازن في جراثيمهم.
لذا أقول لنفسي ولكم لا تقتلوا جراثيمكم وحافظوا عليها بدلا من التعرض لزراعة الفضلات لا سمح الله.
أ.د. سهل بن عبد العزيز الهاجوج
مختص في الامراض المعدية
أعجبنى
(5)لم يعجبنى
(0)