بواسطة : .
11:22 م - 2025/12/24 - 281 views
بقلم د:جواهر الروقي
في زمنٍ تتسارع فيه ردود الأفعال، ويُقاس فيه الحضور بحدة الصوت لا بعمق الحكمة، بات كثيرون يخلطون بين كسب الموقف وكسب الإنسان، وكأن الانتصار لا يتحقق إلا بإثبات الخطأ أو تسجيل نقطة في جدال عابر، مهما كانت الخسائر الإنسانية المترتبة على ذلك.
غير أن التجربة، ومعها الفهم الرشيد للحياة، تؤكد أن ليس كل تنازل ضعفًا، ولا كل صمت خوفًا، ولا كل تجاهل غباء. فبعض المواقف لا تُدار بالمواجهة، بل بالحكمة، ولا تُحسم بالرد، بل بحسن التقدير.
وفي السيرة النبوية، يبرز موقف بالغ الدلالة حين قيل للنبي ﷺ عن عبد الله بن أُبيّ بن سلول – رأس النفاق – ما كان يصدر عنه من إساءة وأذى، وطُلب منه ﷺ أن يُعاقبه ، فكان رده الحكيم: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
اختار النبي ﷺ أن يحفظ تماسك المجتمع، وأن يكسب الناس، حتى وهو قادر على كسب الموقف بالرد الحاسم ، لم يكن ذلك ضعفًا، بل نظرًا بعيدًا في العواقب، وتقديمًا للمصلحة العامة على الانتصار اللحظي.
هناك مواقف محدودة الأثر، قصيرة العمر، تمر كما جاءت، لا تغيّر مسارًا، ولا تصنع فارقًا حقيقيًا ، الخوض فيها، وتضخيمها، واستنزاف الوقت والجهد بسببها، لا يضيف قيمة، بل يُقلّل الشأن ويشوّش الأولويات ، والذكاء الحقيقي لا يكمن في الرد على كل تصرف، ولا في خوض كل جدال، بل في القدرة على التمييز بين ما يستحق الوقوف عنده، وما يُترك احترامًا للوقت، وللنفس، وللآخرين.
وقد لخّص الشعر العربي هذه الحكمة قديمًا حين قال الشاعر:
ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومِهِ
لكنَّ سيدَ قومِهِ المتغابي
فالتغافل حين يكون عن وعي، ليس ضعفًا، بل سموًّا في الفهم، وإدارة راقية للمواقف ، والتنازل عن بعض الحق، ما لم يُضيّع مبدأ، هو كسب أخلاقي لا خسارة ، أما الصمت، فليس دائمًا علامة عجز، بل قد يكون أبلغ أشكال الحكمة.
المواقف — مهما بدت كبيرة في لحظتها — عابرة، بينما الأثر في النفوس باقٍ ، وكسب الإنسان، في كثير من الأحيان، أعمق أثرًا وأطول بقاءً من كسب موقف عابر أو جدال مؤقت ، وفي ميزانٍ أوسع، تتجاوز فيه الحسابات اللحظة الراهنة، تُقاس الأفعال بما تتركه من أثر، لا بما تحققه من انتصار مؤقت ، فهناك مواقف إن أسيء التعامل معها اختلّت بها موازين الحياة، لا لأننا تنازلنا، بل لأننا لم نحسن التقدير.
من هنا، فإن الحكمة لا تكمن في كثرة الردود، بل في حسن الاختيار ، اختيار المعارك، وضبط ردود الأفعال، وتقديم الإنسان على اللحظة ، فأحيانًا، يكون أعظم ما نكسبه… أن نكسب الإنسان، ونترك الموقف يمر كما لم يكن
أعجبنى
(3)لم يعجبنى
(0)