بواسطة : .
9:09 م - 2025/12/26 - 285 views
الوثاق ــ د / عبدالعزيز الرميلي
يا أمي… يا مريم محمد البهلول
ما أصعب أن يُنادى الاسم ولا يجيء صاحبه، وأن تُفتح الأبواب ولا تدخلين، وأن تُضاء الغرفة ولا يضيئها حضورك.
كنتِ أنتِ المعنى الذي يسبق الكلام، والحقيقة التي لا تحتاج برهانًا: أن الأم ليست إنسانًا فقط… بل عالمٌ كامل، ونظامُ أمانٍ خفيّ، ودفءٌ يربط الأشياء ببعضها حتى لا تتفكك.
رحلتِ يا أمي، لكنّ الغياب لا يحدث كما نظن.
الغائب لا يختفي؛ هو فقط ينتقل من جهة النظر إلى جهة القلب.
تغيبين عن العين… فتزدادين حضورًا في الذاكرة.
تغيبين عن اليد… فتزدادين ثقلًا في الروح.
كأن الموت لا يمحو الأشخاص، بل يبدّل موضعهم فينا: من الخارج إلى الداخل، من المشهد إلى المعنى، من الصوت إلى الصدى.
أفكر في الموت كثيرًا بعدك، لا كفكرةٍ مرعبة، بل كسؤالٍ عميق:
لماذا يُكتب علينا أن نفقد أجمل ما نملك؟
ولماذا يعلّمنا الله الحب بهذا الثمن؟
ثم أعود فأفهم… أن الحب ليس امتلاكًا، بل أمانة.
وأن الأم حين تُعطينا كل هذا النور، فهي لا تقول لنا: “ابقوني”، بل تهمس من بعيد: “تعلّموا كيف تكملون الطريق بلا أن تنطفئوا”.
يا مريم…
كنتِ بساطة الحياة حين تتعقد، ووضوحها حين تتشوش.
كنتِ تُصلحين الانكسار دون أن تذكري أنك تصلحين،
وتُسكِتين القلق دون أن تسألي: “لماذا تقلقون؟”
كنتِ تُعيدين ترتيب العالم بأشياء صغيرة: دعاء، نظرة، لمسة، “الله يرضى عليك”، “لا تشيل هم”.
بعد رحيلك تغيّر الزمن.
ليس لأن الساعات صارت أطول، بل لأن المعنى صار أثقل.
لقد اكتشفت أن الوقت ليس عدد الأيام، بل عدد الوجوه التي تبتسم لنا، وعدد الأرواح التي تجعل الحياة محتملة.
وحين تسقط أمٌّ من حياة أحدنا، لا يسقط شخص… بل يسقط جدارٌ كامل كان يسند القلب.
أحاول أن أتقبّل يا أمي أن الدنيا ليست بيتًا دائمًا.
هي محطةٌ نمرّ بها، ونترك فيها ما استطعنا من أثر.
وأنتِ تركتِ الأثر الأكبر:
تركتِ فينا طريقةً في الحب، وخلقًا في التعامل، وضميرًا حين نختار، وصوتًا داخليًا يقول: “افعل الخير… كما كانت أمي تفعل”.
ما أقسى أن أفهم متأخرًا كم كنتِ عظيمة في التفاصيل التي لم أنتبه لها.
كم مرةٍ غلبك التعب ولم تقولي.
كم مرةٍ حملتِ همومنا فوق همومك.
كم مرةٍ أخفيتِ وجعك كي لا نخاف.
الآن فقط أعرف: أن الأم لا تعيش لنفسها كما يعيش الناس؛ الأم تعيش بالنيابة عن الجميع، وتدفع من عمرها ليزداد عمر الآخرين.
أحيانًا أسأل نفسي: هل نحن الذين نشتاق الأمهات، أم أن الأمهات هي التي تشتاقنا وتظل معنا بصورةٍ لا نفهمها؟
ثم أقول: لعل الأرواح لا تنقطع كما تنقطع الأجساد.
لعل الله يجعل للطيبين امتدادًا في القلوب؛ فإذا ماتوا صاروا أكثر قربًا، لأنهم يتحررون من المسافات، ويقيمون فينا حيث لا يستطيع الفقد الوصول.
يا أمي…
لقد فهمت من رحيلك درسًا فلسفيًا لا يعلّمه كتاب:
أن الفقد ليس نهاية العلاقة، بل انتقالها من الملموس إلى الغيب.
وأن “الذكرى” ليست صورةً في الذهن… بل مسؤولية:
مسؤولية أن نعيش بما يرضيك، أن لا نخون قيمك، أن نبقي اسمك نظيفًا في سلوكنا، أن نكون امتداد رحمتك على الناس.
أفتقدك حين أكون قويًا، لأنني أعرف أن قوتي كانت تتغذى من وجودك.
وأفتقدك حين أكون ضعيفًا، لأنني أعرف أن ضعف الدنيا كله كان يذوب في حضنك.
أفتقدك في الفرح… لأن الفرح ناقصٌ إذا لم تباركيه.
وأفتقدك في الحزن… لأن الحزن كان يهدأ بصوتك.
وفي الليل… حين يهدأ كل شيء، تظهر الحقيقة كأنها تضيء وحدها:
أن الإنسان قد يملك كثيرًا، لكنه بلا أمٍّ يشعر أن العالم أقل رحمة، أقل صبرًا، أقل دفئًا.
فالأم ليست جزءًا من الحياة… الأم هي معيار الحياة؛ بها نقيس معنى الأمان، ومعنى العودة، ومعنى أن يكون لنا مكانٌ لا نخاف فيه من أنفسنا.
يا مريم محمد البهلول…
يا من علّمتِنا أن الله أقرب من كل شيء، وأن الدعاء ليس كلماتٍ تُقال، بل صدقٌ يُعاش.
إن كان الموت قد أخذ جسدك، فهو لم يأخذ أثر قلبك.
أنتِ في دعائنا، وفي صدقاتنا، وفي عملٍ صالحٍ نرجو أن يصل إليك، وفي كل مرةٍ نغلب فيها أنفسنا لنكون أطيب… لأنك كنتِ الطيب كله.
اللهم يا واسع الرحمة…
اجعل قبر أمي مريم محمد البهلول نورًا وسعةً وطمأنينة.
اللهم اجعلها في نعيمٍ لا ينقطع، وفي مقامٍ كريم، وفي جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
اللهم اجزها عنّا خير الجزاء، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقّها من الخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل ما قدّمته لنا شفيعًا لها، وما صبرته في الدنيا رفعةً لها، وما تعبت لأجلنا ثوابًا مضاعفًا لها.
اللهم اجمعنا بها في الفردوس الأعلى جمعًا لا فراق بعده، ولا حزن فيه ولا وداع.
يا أمي…
سأشتاقك كثيرًا، لكنني سأحاول أن أحوّل الشوق إلى عمل:
دعاءٍ لا ينقطع،
وبرٍّ بعد الموت،
وخيرٍ يصل إليك،
وحياةٍ لا تكسِر ما بنيتِه فينا.
رحمك الله يا مريم…
وجعل غيابك سلامًا عليك،
وجعل لقائنا بك موعدًا في جنةٍ لا يخفت فيها النور.
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)