بواسطة : .
9:26 م - 2025/12/29 - 251 views
بقلم د:جواهر الروقي
ليس السؤال عابرًا، ولا هو جملة إنشائية تُقال لتثير الانتباه ثم تُنسى ، ومن لتلك البعثرة؟
سؤال يطرق القلب قبل أن يستأذن العقل، كأنما يُقال لكل داخل: تمهّل… فهنا ستُعاد صياغة بعض ما ظننته مستقرًا.
منذ اللحظة الأولى لدخولي معرض جمعية موكب النور بجدة، شعرت أنني لا أدخل مساحة عرض، بل أدخل حالة ، حالة إنسانية روحية، تُجرّدك من سرعة الحكم، ومن يقينٍ اعتدته، لتضعك أمام نفسك دون أقنعة ، لم تكن البعثرة فوضى عبثية، بل كانت دعوة صريحة لإعادة الترتيب، كما تُبعثر الأدراج القديمة بحثًا عن شيء ثمين ضاع بين الازدحام.
ولعل أجمل ما في التجربة أنها لا تُشعرك بالجهل، بل بالدهشة ، دهشة المعرفة حين تُقدَّم بطريقة جديدة ، أسماء الله الحسنى، تلك التي نرددها ونعرفها ونحفظها، بدت وكأنها تُلقى على القلب لأول مرة ، لا لأننا لم نعرفها، بل لأن طريقة الإخراج، والرمزية، والانتقال البصري والوجداني بين المعاني، جعلت الاسم يتحول من لفظٍ إلى حياة، ومن معنى محفوظ إلى أثر محسوس.
وهنا تذكّرت السيرة النبوية، حين كان النبي ﷺ لا يُربّي الصحابة بالمعلومة فقط، بل بالموقف، وبالتجربة، وباللمسة الإنسانية العميقة ، حين نزل الوحي لأول مرة على قلبه الشريف، كانت لحظة بعثرة كبرى… بعثرة يقينٍ مألوف، لتبدأ بعدها أعظم رحلة ترتيب عرفتها البشرية ، لم يكن الأمر سهلاً، بل كان ثقيلًا، حتى قال ﷺ: «زملوني زملوني»، فكانت البعثرة مقدمة للرسالة، والاضطراب بداية النور.
وفي السيرة، نجد أن التحوّلات الكبرى لم تبدأ من الطمأنينة، بل من الأسئلة ، من الخلوة في غار حراء، من الانكسار الإنساني، من البحث الصادق عن الحقيقة ، وكأن الرسالة الخالدة تقول لنا: لا تخف من بعثرتك، فربما تكون هي الطريق إلى نورٍ أصدق.
أثناء تجوالي في المعرض، بدأت أرى الحقائق التي ظننتها واحدة، بوجوه متعددة ، ما حسبته ثابتًا، اتضح أنه أعمق مما ظننت، وما اعتقدت أنني فهمته كاملًا، اكتشفت أن له طبقات، وزوايا، ومساحات لم أقترب منها من قبل ، وهنا يكمن الفرق بين المعرفة السطحية والمعرفة التي تُلامس الروح.
ولأن الفن حين يقترن بالرسالة يصبح عبادة، فقد كان الإخراج في المعرض شاهدًا على أن الدعوة لا تحتاج إلى خطاب مباشر، ولا إلى وعظ صريح، بقدر ما تحتاج إلى صدق، وحكمة، وفهم عميق لطبيعة الإنسان ، فالقلوب لا تُفتح بالقوة، بل تُستدرج بالنور.
وقد لخّص أحد الشعراء هذه الحالة حين قال:
فوضى القلوب إذا أضاءَ سراجُها
صارت طريقًا، واستقامَ المسيرُ
فالضوء لا يأتي دائمًا ليُظهر لنا الطريق بوضوح، أحيانًا يأتي ليكشف لنا كم كنّا نمشي بعينٍ واحدة ، موكب النور لا يدّعي أنه سيُغيّرك، ولا يعدك بإجابات نهائية، لكنه يمنحك شيئًا أثمن: لحظة صدق مع نفسك ، لحظة تتصالح فيها مع أسئلتك، وتُدرك أن البعثرة ليست نهاية، بل بداية ترتيب جديد، أكثر نضجًا، وأكثر قربًا من الله.
قد تخرج من المعرض وأنت صامت، أو متأمل، أو مثقل بالفكر… لكنك بالتأكيد لن تخرج كما دخلت ، فبعض النور، حين يُلامس القلب، لا يكتفي بالإضاءة… بل يُعيد تشكيل الداخل بهدوء.
ومن لتلك البعثرة؟
لعلها رحمة، جاءت في هيئة سؤال .
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)