بواسطة : .
11:00 م - 2023/07/05 - 575 views
الوثاق ـ بقلم ـ ناهد الرطروط
تغريبة القافر هي الرواية الفائزة بجائز البوكر لعام 2023 والتي نشرت عبر دار مسكلياني و رشم للنشر وهي للروائي والشاعر العماني زهران القاسمي المولود عام 1974 في ولاية دماء والطائيين وقد انعكست بيئة الكاتب في هذه الرواية و في الكثير من أعماله الأدبية مثل (القناص و جوع الشوارع و غيرها)
تحكي تغريبة القافر عن صراع الإنسان في القرية مع الطبيعة، ذلك العدو الذي لا يستطيع الإنسان في أغلب الأحيان قهره مهما وصل به التطور و التقدم، إلا أنه يصل لمرحلة يعجز فيها أمام جبروت الطبيعة، لتجلس واضعة قدم فوق الأخرى وتتطلع إلى محاولاته الفاشلة في التغلب عليها و عندما تمل من النظر تقف معطية ظهرها له، ليلهو في تلك المحاولات وتخرج له لسانها ساخرة من كل ما فعل .
قد يستغرب البعض لكن اسمحوا لي أن أبدأ بتحليل الرواية بدأً من الغلاف فلو نظرنا للغلاف لوجدناه بخلفية صخرية اتخذت من ألوان الماء وتدرجاته رداءً لها ثم سوف نجد حبلا علق عليه مغزلين صوف يرمز أحدهما لسالم والآخر لزوجته نصرا والخيط الصوفي الذي علقا عليه فهو همزة الوصل بين سالم القافر و نصرا، التي رفضت الزواج من غيره رغم طول فترة غيابه و رغم إلحاح عائلتها عليها، فكل الأخبار جاءت بموته المؤكد فما كان منها إلا أن قصت صوف أغنامها وبدأت بغزله خيطا تلو الآخر وسمت كل خيط باسم فلج من الأفلاج التي حفرها الباقر وأخبرت والدها بموافقتها على الزواج إذا أكملت غزلها و لم يعد زوجها بعد .
لنعرج على العنوان( تغريبة القافر)، فالقافر هو سالم بن عبد الله بن جميل، الذي قضى عمره غريبا ، غريب في ولادته فقد ولد بعد موت أمه حيث اكتشفوا أنه حي في بطنها بعد موتها بفترة من الزمن بينما كانت نساء القرية يكفنها استعداد لدفنها ، وهذا يقودنا لغربته الثانية غربته في قريته فقد اعتبره أهل القرية نذير شؤم وكانوا يتحاشونه ويمنعون أبناءهم من اللعب معه وهكذا كبر منبوذا مضطهدا غريبا بينهم ومن أسباب النبذ نتوصل لغربته الثالثة غربة الموهبة فقد كان له سمع قوي، كان يسمع أصوات يعجز أي من بني آدم عن سماعها، فقد كانت أصوات الطبيعة تنجذب لأذنيه مثل: زحف أفعى قبل أن تدخل جحرها، همهمات تأتيه من خلف جدار أو صوت نبش مابين الحشائش ولكن ما لفت النظر إليه هو أنه كان يسمع صوت الماء في باطن الأرض وهذا ما جعل أهل القرية يقولون أنه مسحور فهو يسمع شيء في باطن الأرض،فقد قال بعضهم :
“يكلموه أهل تحت” و قالوا ” توتأكد أنه ود جن” و قد قالوا أن الساحرة أكلت أمه واستولت عليه و أن والده يعمل خادما مطيعا لديها فقد سماه أهل القرية (المغيب) و عندما كبر قضى الكثير من حياته في الترحال مع أهل القرى بحثا عن الماء و حفر الأفلاج، وهذا معنى التغريبة فهي تعني الغربة والترحال أو النزوح ، أما القافر فهو مفارقة وتضاد فالقفر يعني الأرض الجدباء التي لا ماء فيها ولا زرع وقافر إسم فاعل، بينما كان عمل سالم هو العثور على الماء في باطن الأرض فقد كان يستلق على بطنه ويرهف السمع ليجد أن المياه تنادي عليه و تناجيه ليخلصها من سجنها فيكتشف أماكنها ويحفر الأفلاج ويمد القنوات ليرتوي أهل القرية و ترتوي تربتها .
اتسم أسلوب الكاتب بالروعة والسلاسة وجزالة الألفاظ فقد استخدم مفردات دلالية تنتمي لحقول أدبية لها دلالات معينة في النص أهمها المعجم الكوني و الطبيعي فقد استخدم كلمات كالقرية والواديان والجبال والنحل والسدر والحشائش والمطر و النخل و الحجر وقد كانت أكثر تلك الكلمات شيوعا في الرواية ، كلمة الأفلاج والتي هي موضوع الرواية وهدف البطل الذي كان يسعى له طوال الوقت والتي تكرر ذكرها في الرواية مئة وخمسين مرة و كذلك كلمة الماء التي تكررت أكثر من مئة مرة و التي كانت تحتوي على الكثير من المفارقات فقد عنت الحياة له ولأهل القرى، فقد أوشكوا على الهلاك دونها هم وزروعهم و ماشيتهم وفي نفس الوقت كان يرمز بالنسبة له للموت، فقد ماتت أمه غريقة في البئر بعد أن كان الماء الوسيلة الوحيدة التي تخفف عنها ألم الشقيقة عندما تغمس رأسها في دلو الماء ومات والده بعد أن سقطت عليه حجارة أحد الفلاج التي دفن تحتها عطشان وقد كانت نهايته هو أيضا في فلج آخر حيث اختفى بداخله بعد صراعه لشهور في محاولة الخروج منه ، ومن الدلالات أيضا اسمه سالم فقد سمته عمة والدته وأمه التي ربته بسالم لأنه نجى من الموت مع أمه الغريقة ولكنه لم ينجو من ظلم الحياة ووجعها. ومن الدلالات أيضا اسم أسيا أمه من الرضاعة والتي كان لها من إسمها الشيء العظيم ،فقد كانت حياتها سلسلة من المآسي فمن موت بناتها الخمسة إلى سفر زوجها و هجره لها و الوحدة التي عانت منها إلى أن تذكرها زوجها لتمرضه بعد وقوعه ضحية للمرض
كون الكاتب شاعر أيضا فهذا أخذنا إلى واحة جميلة من العبارات الشعرية والصور الإبداعية التي تناغمت مع الرواية بجرس موسيقي فريد ونورد منها على سبيل المثال لا الحصر
“كان الينبوع الذي جلست أمامه يسرد للحصى و المكان وجعها القديم المتجدد “و كأن الينبوع راوي والحجر والحصى الجمهور
” اعتزلت الناس و أكلتها الوحدة ” : شبه الوحدة بالوحش الذي أكل آسيا
“عبد الله بن جميل أيضا أكلوه بألسنتهم و جعلوا من حكاية زوجته الغريقة وجبة دسمة يقتاتون عليها لسنوات ” وهنا شبههم بالهوام وشبه ألسنتهم بآكلات لحوم البشر وهنا تناص من الحديث النبوي الشريف “أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه “
” جلست آسيا على رملة ناعمة تستريح بالقرب من حوض تتراقص في قعره أسماك الصد الصغيرة و تخط على صفحته خطوطا تشبه كتابة ملحمية طويلة …….. مر شريط حياتها أمامها والكائنات الصغيرة ترقص على الماء فكأن تلك الكائنات ترسم ذكرياتها وتكتبها لها “
وعن هذا المقطع قال الشاعر وددت لو أنني كتبته قصيدة
ولم يغفل الباقر عن توظيف الأسطورة فقد أشار إلى شجرة السوقم الجاثمة أمام بيت مريم والسوقم شجرة عريقة تمتد إلى أكثر من ستمئة سنة وأقدم شجرة سوقم توجد في مصر في المطرية شمال القاهرة و تعرف بشجرة الجميز أو شجرة مريم حيث تقول الأسطورة أنها أظلت السيدة مريم العذراء و النبي عيسى عليه السلام عندما شرفا مصر بالزيارة .
ورواية الباقر هي من الروايات السردية التي تعتمد على السرد طوال الرواية و قد أبدع زهران القاسمي في سرده وفي طرح الفكرة من روايته فقد أبدع في وصف الأفلاج و قنواتها وفي وصف الصخور حيث أدخلنا معه إلى القرية لنلمس بأحاسيسنا وعقولنا طباع أهلها من حيث التصديق بالخرافات ولوك الناس بقصصهم و التطير والإيمان بالجن واللبس ، وقد أبدع بوصف علاقة الإنسان بالماء واحتياجه له وصراعه من أجله و الذي وصل إلى الموت كما أخذنا في جولة رومانسية بسيطة أخرجنا بها من جو العطش والموت والنميمة والإساءة عندما وصف لنا حالة الحب والجوى التي أصيب بها سالم الباقر عندما رأى نصرا بنت رمضان لدرجة أصابت كل حواسه بالشلل فلم يكن الحب بالنسبة له أعمى بل أصم أيضا فلم يعد يسمع أي صوت سوى صوت حبه لها وكأن الأصوات اختفت إلا من داخله ” بدأ ينصت إلى ينبوع ضئيل يسيل متدفقا خجلا في أعماقه ينبوع أنساه كل الأصوات من حوله أصغى إلى وجيب قلبه فوجد كل شيء فيه معلقا في ابتسامتها و وجهها ….. كانت أنفاسه تخرج ساخنة وكأن الحمى قد أصابته وكان يرتجف من برودة الصمت و الوحشه …….. في صباح اليوم التالي أخذهما الرجال إلى حيث تدخل عروق الفلج في عمق الوادي و هوينصت إلى وقع خطواته على الحصى نكس رأسه حتى كاد يلمس الأرض، أنصت، فجاءت دقات قلبه لتملأ عليه المكان، ثم رفع رأسه إلى حيث يقف الجميع منتظرين اقتفاءه ….. أغمض عينيه فرآها كانت هناك أمام الباب تنظر إليه و تبتسم قالت له: “صباح الخير” فسمع أهازيج و أفراح و أعياد تترقرق في صوتها و لم يسمع خرير الماء .
و ختاما أرى أن الرواية جميلة جدا بسردها و جزالة عباراتها و بديع وصفها إلا أنني أعيب عليها إطلالة الحوار الخجولة التي لم تتجاوز بضع صفحات في حوارات متباعدة و مقتضبة ، كما أن الكاتب أطال في وصف شخصيات ثانوية ثم أخرجها من الرواية بشكل مفاجيء كشخصية آسيا و زوجها إبراهيم كما تأخر ظهور شخصية البطل حتى أن القاريء يمضي في قراءة فصلين أو ثلاث في التخمين من هو البطل الحقيقي.
أعجبنى
(2)لم يعجبنى
(0)