بواسطة : صحيفة الوثاق
11:16 م - 2025/06/25 - 341 views
الوثاق: عبدالرحمن بن محمد الحمد
منذ بدء الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن القوة العسكرية لإسرائيل الأداء الوحيدة لتحقيق حلمها في بناء كيانها على أرض فلسطين، بل كانت هناك أداة لا تقل تأثيراً وأهمية بالنسبة لها، وهي الآلة الدعائية أو ما تعرف بالبروباغندا، الموجهة للرأي العام الدولي، والتي من أهدافها الرئيسة، شرعنة الاحتلال لقبول الدعم وكسب التأييد الدولي.
وقد وظفت الحركة الصهيونية قبل إعلان قيام إسرائيل عام 1948 شخصياتٍ كان لها دور بارز في عملية الاتصال، ومن أبرزها ثيودور هرتزل، الذي لم يكن مجرد مؤسس لهذه الحركة، التي انشأها عام 1897، بل كان صحفياً بث الرواية الصهيونية بمختلف اللغات في أوروبا آنذاك، حيث روج لشعار دعائي يتجاهل معه الوجود الفلسطيني ويتلاعب بالعواطف الغربية وهو [أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض]، كما أتاح الكره الأوروبي للوجود اليهودي على أراضيها، الفرصة للمضي قدماً بهذا المشروع الاستيطاني، والذي دعمه إعلان بيلفور عام 1917 والذي تضمن دعم الحكومة البريطانية وتأييدها العلني لفكرة إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، مع وعد غامض بالحفاظ على حقوق أصحاب الأرض الأصليين.
وبينما استقبل الإعلان بترحيب حار من قبل الحركة الصهيونية، رآه العرب والفلسطينيون خطوة غير مشروعة لتعزيز المشروع الاستيطاني، وفتح الباب أمام الهجرات المنظمة، والاستيلاء التدريجي على الأراضي الفلسطينية، وخلق رواية إعلامية من شأنها شرعنة تلك التحركات في نظر المجتمع الدولي.
وقد نجحت هذه الرواية، على مدار العقود التالية، في فرض نفسها على جزء كبير من الرأي العام العالمي، لا سيما في الغرب، بفضل البروباغندا الإسرائيلية التي وظّفت السينما، والصحافة، والتعليم، لنقل صورة عن إسرائيل كدولة صغيرة تحاول النجاة وسط محيط معادٍ، متجاهلة تماماً حقيقة أن هناك شعباً كاملاً جرى اجتثاته من أرضه، وتشويهه في السردية الدولية.
ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه البروباغندا إلى جزء لا يتجزأ من السياسات الرسمية الإسرائيلية، لا تقل أهمية عن الجيوش والدبابات. فقد أُنشئت مؤسسات متخصصة في [الدبلوماسية العامة]، وتم تدريب ناطقين رسميين على مخاطبة الإعلام الغربي، بل وتجنيد المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الرواية الإسرائيلية بلغات متعددة، في وقتٍ ظل فيه الصوت الفلسطيني محاصراً، ومشوّهاً، وغائباً عن المنصات الكبرى، حيث وجد الفلسطينيون أنفسهم في معركة غير متكافئة، ليس على الأرض فقط، بل في الفضاء الإعلامي أيضاً. ففي حين كانوا يكافحون من أجل البقاء في ظل الاحتلال، كانت إسرائيل تحصد التعاطف والدعم تحت غطاء كذبة [الدفاع عن النفس]، وهو المفهوم الذي تكرّس إعلامياً حتى أصبح جزءا من الخطاب الغربي، علاوة على تضمين مفهوم [الحق التاريخي] لليهود في فلسطين داخل الخطاب العام، إذ لم يتم الترويج لهذا لادعاء كوجهة نظر دينية أو سياسية فحسب، بل كحقيقة مزعومة لاستعادة أرض موعودة، في سرديةٍ مخادعة تعتمد على القفز لآلاف السنين من التاريخ العربي والإسلامي في فلسطين، وتتجاهل تماماً أن أرض فلسطين المحتلة لم تكن يوماً بلا شعب، فضلاً عن كون استعمال مصطلح [الحق التاريخي] كتبرير للسيطرة على أرض دولة أخرى أو طرد سكانها الأصليين، يحمل معه اشكاليات قانونية وأخلاقية وسياسية كبيرة.
فلو افترضنا جدلاً اعتماد التاريخ لاستعادة الأراضي بين الأمم، فهل يعيد الأسبان الأندلس للمسلمين؟ أو هل يبرر ذلك استعادة المغول لأجزاء من آسيا مثلاً؟ أو هل يمكن للكنعانيين الذين عاشوا آلاف السنين قبل اليهود المطالبة بفلسطين؟ ومن الذي يحدد أي فترة من التاريخ يمكن اعتمادها !؟ قبل ألف أو عشرة آلاف سنة ؟!
إن هذا التفكير الانتهازي والغير مشروع في أساسه يقود إلى فوضى دولية وأزمات لاتنتهي، لأن التاريخ في جوهره لا يعد حجة قانونية موثوقة – وفقاً للقانون الدولي- يمكن استخدامه كأساس لبناء الكيانات السياسية أو ترسيم الحدود، كما أن مبادئ القانون الدولي تستند على الحقوق في الحاضر وليس في الماضي، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية (1945). فهناك مبادئ في القانون الدولي مثل: حق الشعوب في تقرير مصيرها، والسيادة الوطنية للدول، تتعارض مع مزاعم الحق التاريخي، الذي يقوم على أدوات أيدولوجية تستخدم لتبرير الظلم، وتكرس لمفهوم الفوضى في قاموس الأمم.
ولكن مع الأسف الشديد، نجحت البروباغندا الصهيونية في تزييف وعي المجتمع الدولي لقبول فكرة الحق التاريخي لليهود على أرض فلسطين المحتلة، دون ان تخلق شرعية قانونية مكتوبة، حيث أن ما بدأه هرتزل كشعار بسيط، تحوّل اليوم إلى بنية دعائية معقدة، تتحكم في كيفية فهم العالم لملف فلسطين، الذي طغت عليه الرواية الصهيونية إلى حدٍ بات فيه التزييف المنظم أكثر فعالية من المدافع الإسرائيلية، وهو الخطر الحقيقي الذي أعاد تشكيل الوعي العالمي، فغابت معها الحقيقة، وتحولت الضحية إلى متهم، والمحتل إلى مدافع عن النفس.
أعجبنى
(3)لم يعجبنى
(0)