بواسطة : صحيفة الوثاق
1:23 م - 2025/08/12 - 183 views
د: جواهر الروقي
حين ننظر في سلوك الناس من حولنا، نكتشف أن الكثير من محاولات الكيد والإيذاء لا تنشأ من قوة أو ذكاء، بل من شعور دفين بالنقص. فالإنسان الذي يكتمل من الداخل، ويشعر بالرضا عن نفسه وحياته، نادرًا ما يجد في قلبه مساحة للحسد أو الرغبة في إسقاط الآخرين. أما من يعيش صراعًا داخليًا مع ذاته، ويشعر أن في حياته فجوات لم يستطع ملأها، فإنه في كثير من الأحيان يحاول التخفيف من ثقل هذا الشعور عبر التقليل من غيره أو الإضرار بهم.
النقص النفسي ليس عيبًا في جوهره، فهو حالة قد يمر بها أي إنسان، وقد تكون حافزًا للتطور إذا وُجِّهت في الطريق الصحيح. لكن الخطورة تكمن حين يتحول هذا النقص إلى دافع للعداوة، وعندما يصبح الآخرون ساحة لتفريغ الغضب والخيبات. هنا يظهر الأذى، وتتجلى تلك العلاقة التي تحدث عنها النص: فكلما كان النقص أكبر، كان الأذى أشد وأقسى.
ومن الملاحظ أن الشخص الذي يؤذي الآخرين، في الحقيقة، لا يسعى لإسقاطهم بقدر ما يحاول أن يشعر داخليًا أنه ليس وحده في دائرة النقص أو الفشل. فيرتاح حين يرى من حوله يتعثرون، ويطمئن قلبه الموجوع عندما يُشعرهم بالجرح الذي يسكنه. لكن هذا الاطمئنان مؤقت وزائف، إذ إن المشكلة الحقيقية لا تزال في داخله، وتستمر في مطاردته مهما أسقط من الآخرين.
العلاج يبدأ من الداخل. فالوعي بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو التحرر منها. على الإنسان أن يتصالح مع عيوبه ويعمل على إصلاحها، وأن يدرك أن رفع نفسه لا يتحقق بخفض الآخرين، وأن قيمة المرء تُبنى بالفعل الصالح، لا بالمكايد. كما أن التعاطف مع الناس، ومحاولة فهم ظروفهم، قد يحوّل طاقة النقص إلى دافع للمساندة بدلاً من الإيذاء.
وفي النهاية، يبقى الأذى مرآة للنقص، وكلما واجهنا شخصًا يحاول النيل منا، كان من الحكمة أن نتذكر أن ما نراه من قسوة هو في جوهره انعكاس لفراغ داخلي لا شأن لنا به. الرد الأمثل ليس أن نرد الأذى بمثله، بل أن نحافظ على اكتمالنا الداخلي، وأن نختار البناء حيث اختار الآخرون الهدم، لنكون نحن الصورة المعاكسة التي تثبت أن النقص لا يولد الأذى بالضرورة، بل قد يولد القوة والنضج إذا أحسنا التعامل معه .
أعجبنى
(3)لم يعجبنى
(0)