بواسطة : صحيفة الوثاق
8:35 م - 2025/08/17 - 182 views
الوثاق_ الدكتورة جواهر الروقي
القلق شعور يتسلل بصمت، لكنه سرعان ما يستوطن زوايا النفس ليُثقلها بالترقّب والتوتر. إنه حالة لا تُرى، لكنها تُستشعر بكل تفاصيل الجسد والروح؛ في تسارع ضربات القلب، وفي ارتباك الأفكار، وفي الانشغال المستمر بما قد يحدث وما لن يحدث.
التوتر النفسي ليس مجرد عارض عابر، بل هو انعكاس لصراع داخلي بين الرغبة في السيطرة على مجريات الحياة وبين إدراك هشاشة الإنسان أمام المجهول. يتغذى القلق على الخوف من الفشل أو الخسارة أو حتى من نظرات الآخرين، فيحوّل اللحظة الآمنة إلى مسرح مكتظ بالهواجس.
ومع ذلك، لم يكن القلق بعيدًا حتى عن أشرف الخلق ﷺ؛ ففي غار ثور، حين اشتد طلب المشركين له ولأبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال صاحبه بقلق: “لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا”، فجاء الجواب النبوي مطمئنًا: “ما ظنّك باثنين الله ثالثهما”. لحظة تحوّل فيها القلق الإنساني إلى يقين إيماني بأن معية الله أعظم من كل خوف.
وهذا ما يؤكده قول الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
فالقلق في جوهره ليس كله سلبياً؛ ففي باطنه طاقة تحفّز على الاستعداد واليقظة. لكن حين يتجاوز حده يتحول إلى قيود تربط الفكر وتُعطّل الفعل. وهنا يأتي دور الإيمان ليعيد للنفس توازنها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
إن مواجهة القلق لا تكون بإنكاره، بل بفهمه وإدارته، واستحضار الطمأنينة التي يبثها التوكل واليقين. فالهدوء الحقيقي ليس غيابًا للتحديات، بل هو فنّ ترتيب الأولويات، وترويض الأفكار، وتوجيه القلب نحو خالقه؛ حيث الطمأنينة التي لا يزلزلها حاضر ولا يخيفها غد.
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)