بواسطة : صحيفة الوثاق
3:35 م - 2025/08/26 - 197 views
بقلم د.جواهر الروقي: استشارية في الموارد البشرية
في لقاءٍ أسري بسيط، جلست أستمع إلى الأحاديث الدائرة من حولي، فإذا بي أجدها تدور في فلكٍ واحد: عن مؤثر ومؤثرة، وعن أحدث صيحات الموضة، وعن تفاصيل سطحية لا تمتد أبعد من لحظة استهلاكها. حاولت أن أبحث بين طيات الحوار عن حديثٍ علمي، فكرةٍ جديدة، أو نقاشٍ يحمل قيمة فكرية، فلم أجد. عدت إلى المنزل مثقلاً بفراغٍ داخلي، كأنما مضى وقتي دون أن يحمل لي معنى أو فائدة.
وفي صباح اليوم التالي، وبينما كنت أتنقل في أروقة العمل، مررت بمكاتب متقاربة وساحات مزدحمة، وكلها تعج بالأحاديث ذاتها: سهرة عابرة، مسلسل أثار البكاء، خلافات اجتماعية وأحاديث أسرية تتكرر. توقفت برهة ألتفت يمينًا ويسارًا، أطرح في داخلي أسئلة صامتة: أين أحاديث العلم والإنجاز؟ أين الحوارات التي تثري العقول وتدفع نحو التطور؟ كيف تحوّلنا إلى مستهلكين للتفاهات، نهدر أوقاتنا في ما لا يضيف لنا قيمة مهنية ولا معرفة علمية ولا حتى تربية صالحة؟
قراءة في بيئتنا الحالية
الواقع أن بيئتنا الاجتماعية اليوم باتت بيئة استهلاكية بامتياز؛ كما أن منصات التواصل اصبحت تضخ يوميًا محتوى سريعًا وسطحيًا، يلهب اللحظة لكنه لا يبني عقلًا ولا يرتقي بفكر. ومع غياب النماذج الثقافية الرصينة وتراجع النقاشات الهادفة، أصبحنا نميل إلى الأسهل: تكرار ما نراه ونسمعه بلا تمحيص. هذه الحالة ليست مجرد ترفيه زائد عن الحد، بل هي مؤشر خطر على وعي المجتمع، إذ تصنع أجيالًا تفتقد إلى العمق، وتتعامل مع وقتها كسلعة تُهدر لا كرصيد يُستثمر.
ما يجب تداركه
إن كنا نريد مستقبلًا مختلفًا، فعلينا أن نعيد ترتيب أولويات حواراتنا اليومية. الأسرة يجب أن تكون منطلقًا لأحاديث تثري الأبناء بالعلم والمعرفة، لا أن تتحول إلى صدى لما تبثه المنصات. أما بيئة العمل، فينبغي أن تصبح حاضنة لتبادل الخبرات، ونقاش الإنجازات، وتحفيز الطاقات. نحن بحاجة إلى ثقافة بديلة، تُشجع على القراءة، وتفتح مساحة للنقاش البنّاء، وتمنح قيمة للوقت لا لسطحية الحديث.
الوعي هنا ليس مسؤولية فردية فقط، بل هو التزام مجتمعي يبدأ من البيت ولا ينتهي عند المدرسة أو المكتب. فاللحظة التي نستعيد فيها قدرتنا على ملء مجالسنا بالعلم والفكر، هي اللحظة التي نخطو فيها أولى خطواتنا نحو مجتمع أكثر نضجًا وإنتاجية.
أعجبنى
(3)لم يعجبنى
(0)