بواسطة : .
12:58 م - 2026/02/03 - 10 views
بقلم ــ فواز بن الغثيان الرويلي
يسعى المهووسون بالأضواء، والباحثون عن الشهرة، إلى استثمار الأزمات؛ لا لاحتواء آثارها، بل لرفع المشاهدات وتضخيم الحضور، ولو كان الثّمن وعي المجتمع وطمأنينته، ففي كل أزمةٍ تمرّ بالمجتمع، يظهر على السطح نوعٌ جديد من المشاهير؛ لا يحملون حلولًا، ولا يقدّمون وعيًا، بل يتقنون استثمار اللحظة. يتعاملون مع الأزمات بوصفها فرصة ذهبية لزيادة المشاهدات، لا مسؤولية أخلاقية تستدعي الاتزان والحكمة.
يتقدّمون الصفوف بلا معرفة، ويتصدرون الحديث بلا مسؤولية. يصنعون من القلق مادة دسمة، ومن الإشاعة عنوانًا، ومن التهويل وسيلة للانتشار. محتوى يفتقر إلى العمق، لكنه ينجح في شدّ الانتباه عبر الإثارة والتضخيم.
الأزمة عند تجّار الأزمات ليست معاناة إنسانية، بل “ترند” مؤقت، يُعاد تدويره بزوايا مختلفة حتى يفقد معناه الحقيقي. تُختزل الآلام في مقطع، وتُستثمر المخاوف في لقطة، ويُقاس النجاح بعدد الإعجابات لا بقدر الأثر الإيجابي.
تجّار الأزمات يتفننون في تحويل الألم إلى مادة استهلاكية، فهم لا يصنعون حلولًا، بل يسعون إلى إطالة عمر المشكلة. فهم لا يرون في الألم إلاّ فرصة، ولا في المعاناة إلاّ رقمًا يُضاف إلى عدّاد المشاهدات.
تجّار الأزمات لا ينتظرون المعلومة، فهم أسرع من الحقيقة نفسها، فالمعاناة عندهم ليست حدثًا إنسانيًا، بل “فرصة ذهبية للترند”، الدموع زاوية تصوير، والقلق موسيقى خلفية، والكارثة سيناريو قابل لإعادة النشر. كل شيء قابل للبيع… ما دام يثير المتلقي ويجلب التفاعل.
يسمّون أنفسهم “صنّاع محتوى”، بينما هم لا يصنعون سوى الضجيج، حينما يقدمون الأزمات على أنها مشاهد درامية؛ يتاجرون بالمشاعر، يلوّنون الإشاعة بلغة واثقة، ثم يغادرون المشهد فور انتهاء العاصفة، تاركين خلفهم جمهورًا مرتبكًا ووعيًا مثقوبًا.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من المحتوى يخلق وعيًا زائفًا؛ يضخم الهلع، ويشوّه الحقائق، ويمنح المتلقي شعورًا زائفًا بالفهم، حتى يصبح أسيرًا للقلق، عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والتهويل . فكلما ارتفعت المشاهدات، انخفضت المسؤولية.
وفي المقابل، يغيب الصوت العاقل، ويُهمَّش المختص، لأن خطابه المتزن لا ينافس صخب العناوين ولا يخدم خوارزميات الانتشار السريع. وهكذا يُكافأ الضجيج، ويُقصى الوعي.
وفي نهاية كل أزمة، يتضح المشهد: لا بطولة، لا سبق، لا أثر… فقط عدّاد مشاهدات امتلأ، وذاكرة مجتمع استُنزفت. وهنا فقط يبقى الرهان الحقيقي على وعي المتلقي؛ فحين يتوقف عن مكافأة هذا النوع من المحتوى، تنتهي التجارة، وتسقط الأمتعة .
ليس لكل حضورٍ تأثير، ولا كل صوتٍ يستحق الإصغاء. فالمؤثر الحقيقي هو من يختار الصمت حين يجهل، والتروي حين يشتد الخطب، والكلمة التي تبني لا التي تحصد التفاعل.
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)