بواسطة : .
9:25 م - 2026/10/02 - 2 views
الكاتبة : فاطمة روزي..
لم تكن إلا كنسمة الناي الناعمة في أيام السموم .. كبلسم الحرير تزرع سنابل الخير في حقول القلوب .. تمر بمزامير الرفق وسيمفونية اللين .. تمنح قلائد الأمان .. تضمد أخاديد الجروح .. قلبها لا يعرف أحجار القسوة .. براكين الغدر .. ولا شعاب الأذى .. رشيقة كالغزال الذي يرتع في بستان العمر ووادي السلام وتشرق بابتسامتها شمس الحنان .. تسامح تصفح وتعفو .. حليمة رؤوم ..
حبي الأول والأخير ذات الوجه الصبوح والثغر الباسم الوهاج .. ملاذ روحي وبلسم جروحي .. يا أجمل نساء الكون .. صباحي الغاني الذي يزيل عني حانات القنوط ومسائي المنير في عتمة ديجور المهالك .. هي روحي حبيبتي صديقتي طبيبتي عشقي الذي لا يزول وحناني الذي لا ينفذ ومستودع أسراري الذي لا يبوح .. وطمأنينتي التي لا تزول .. ومستشاري في أمواج الحياة ..
عاشت أجمل الأيام معي إلى أن جاء ذلك اليوم القاسي فكان خليطًا ما بين ألم وقلق .. وعجز وصدمة ..! ففي بضع أيامٍ وقعت بين مخالب المرض المفترس الذي سلب منها دفء مضغتها .. فلم يمهلها إلا أيامًا معدودة ولم تنهض .. فكانت عيناها الذابلة تلاحقني ببريقٍ غريب وشرودٍ مريب ! تحدقان في الفراغ وكأنها ترى طيفًا لا أحد يراه غيرها .. وكأنها تحكي عن فصلٍ عجيب سأراه عن قريب! وتقول لي: “سامحيني يا ابنتي لقد أتعبتك” .. رباه كيف تطلب مني السماح .. بينما كان حريًّا بي أن أرجو منها العفو والرضا والسماح ..
ففي تمام الساعة 8:00 صباحًا، صعقتُ من ذلك الحدث الجلل فقد كان كريح طاغية، هب وأطفأ ضياء الحبور وصار غسقّا يكتنفه الوصب، على شواطئه نبضات جروح مثخنة، صرخاتٌ مدوية هزت أركاني الهشة، كأن فصول السنة ألقت بتعويذة جحيم الأنين في كياني، أنه ليوم عسير دمر حانات شراييني، وغرق وجه الفرح في بيداء مضغتي الخائرة ..
لقد رحلت أمي قرة عيني وأخذتني معها بلا جنازة ..! كأن الزمن توقف بعدها .. كأن روحي غادرتني وأصبحتُ بلا حياة .. ليلي ونهاري مقبرة مهترئة أخبئ فيها زمهرير ألمي ولظى أوجاعي ..
فبعد الإنتهاء من مراسم الدفن عدتُ إلى المنزل وأنا أجر أذيال الوهن وإيقاعات نفسي معزوفة بشهيق مرهق عميق .. وزفير متعب طويل كأنها أوركسترا متكاملة من ناي الوجع وطبول الأنين .. لم يغمض لي جفن ولم يهنأ جسدي بالراحة .. كأن التعب سرق مني رداء السكينة ووشاح الطمأنينة .. ورمى بي في عتمة المهالك وديجور المصائب ..
أماه .. لقد تكالبوا عليّ وأوجعوني كسروني خذلوني .. ودمرتني قسوتهم العاتية .. ثم تركوني في مهب الريح أصارع ما تبقى من فتات قلبي ..
رحلتَ يا أبي ثم لحقت بكَ أمي .. كأن الحياة أخذت عالمي كله .. وأنا أعيش على أوتار الذكريات كأنني أبحثُ عن دارٍ لم يعد له باب يحميني وأمان يقويني ..
رباه رفقًا بمضغتي التي أضعتها في دهاليز غيابها .. فمن دونها أصبح دربي طويلًا وعرًا أطفأ نورها أرجوحة السرور .. وأصبحت الديار موحشة خاوية على عروشها ..
ولكن سأستمر بفضل الخالق وحده وأكون أنا المأوى والسند وعكاز نفسي وأخوض العاصفة الهوجاء .. وأخرج منها بسلام كأن لم يمسسني منها شيء .. وسأقف من جديد ..
ربي اغفر لأمي وأبي وارحمهما واجعل الفردوس الأعلى دارًا لهما .. وآنس وحشتهما .. واجعل قبرهما روضة من رياض الجنة .. واجمعني بهما يا رب العالمين ..
ومضة:
أين أنتِ يا أمي ..؟ لقد ماجت بي الحياة وصفعتني مرارًا وتكرارًا وأنا أصارع أمواج الإجحاف العاتية .. وأنياب الأتراح المجلجلة .. لأجد نفسي على رفوف شيخوخة الفراق أبكي الفقد الأليم من الجميع وحيدة بمدينة أشباح الذكريات البالية .. فقد كُسرتُ وخُذلت وماتت مضغتي في دهاليز الحياة الضروس .. فأنا لست تائهة .. بل عالقة في مرحلة مؤلمة ..
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)