بواسطة : .
2:13 م - 2026/05/01 - 13 views
في أمسية علمية اتسمت بالعمق والحضور اللافت، احتضن مركز عبد الرحمن السديري الثقافي إلقاء ورقة بحثية للدكتور توفيق بن عبد العزيز السديري، قدّم فيها قراءة تحليلية موسعة لأهمية تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا، بوصفه استجابة معرفية لتحولات المملكة المتسارعة وإطارًا علميًا لفهم المجتمع السعودي في عمقه التاريخي والثقافي.
الورقة لم تكن عرضًا تقليديًا، بل جاءت أقرب إلى “مرافعة فكرية” تؤكد أن التحولات التي تشهدها المملكة — في ظل رؤية السعودية 2030 — لا يمكن مقاربتها بأدوات تقليدية، بل تتطلب علمًا يضع الإنسان في مركز التحليل، ويفكك البنى الثقافية والاجتماعية التي تشكّل وعيه وسلوكه، وهو ما تمثله الأنثروبولوجيا بوصفها علم الإنسان في كليته.
وانطلق السديري من تعريف الأنثروبولوجيا كعلم يتجاوز دراسة الماضي إلى فهم الحاضر واستشراف المستقبل، مبينًا أنها تدرس الإنسان بوصفه كائنًا بيولوجيًا وثقافيًا واجتماعيًا، وتحلل أنماط عيشه ومعتقداته وعلاقته ببيئته، بما يمنح صانع القرار والباحث أدوات دقيقة لفهم التحولات العميقة التي تمر بها المجتمعات.
وفي سياق تأصيل هذا الطرح، استعاد السديري الجذور المعرفية لهذا العلم في التراث العربي الإسلامي، مشيرًا إلى أن ما يُعرف اليوم بالأنثروبولوجيا لم يكن غائبًا عن إسهامات علماء كبار مثل ابن خلدون الذي أسّس لفهم الاجتماع البشري وقوانينه، وأبو الريحان البيروني الذي قدّم دراسات ميدانية مقارنة تُعد من أرقى النماذج المبكرة في دراسة الثقافات، مؤكدًا أن استعادة هذا الامتداد المعرفي تمثل خطوة أساسية لبناء نموذج سعودي مستقل في هذا الحقل.
وتوقفت الورقة عند واقع الدراسات الأنثروبولوجية في المملكة، مشيرةً إلى أنها — رغم أهميتها — لم تحظَ بالاهتمام المؤسسي الكافي في العقود الماضية، نتيجة تداخلها مع تخصصات أخرى، أو التحفظ تجاه إرثها الغربي، ما أدى إلى بقاء الجهود في إطار فردي محدود، على الرغم من وجود رواد وباحثين أسهموا في دراسة المجتمع السعودي وتحولاته.
وفي هذا السياق، طرح السديري إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا بوصفه تحولًا نوعيًا ينقل هذا الحقل من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي، ويؤسس لمرجعية علمية وطنية تُعنى بدراسة الإنسان السعودي في علاقته بثقافته وتاريخه وتحولاته، مع توحيد الجهود البحثية وترشيدها، وبناء قاعدة معرفية يمكن أن تسهم في صناعة القرار.
وأكد أن هذا التوجه ينسجم بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي لم تقتصر على التنمية الاقتصادية، بل جعلت من الثقافة والهوية والإنسان محورًا رئيسًا في مشروعها الشامل، من خلال برامج نوعية تعزز الهوية الوطنية، وتنمّي الوعي الثقافي، وتدعم إنتاج المعرفة.
وشهدت الفعالية حضورًا كبيرًا من الجنسين، من الرجال والنساء، تقدّمهم محافظ الغاط ومحافظ الزلفي، إلى جانب عدد واسع من الأكاديميين والمختصين والمهتمين، في مشهد يعكس اتساع دائرة الاهتمام المجتمعي بالتحولات الفكرية والثقافية التي تعيشها المملكة.
كما تم بث إلقاء الورقة البحثية عبر البث المباشر في المركز، حيث تجاوز عدد المتابعين الألف، في دلالة واضحة على الحضور الممتد خارج القاعة، وعلى التفاعل الواسع مع موضوع الورقة.
وأعقب الإلقاء نقاش علمي ثري، شارك فيه عدد من المختصين والحضور بمداخلات نوعية، أسهمت في تعميق الطرح وتوسيع زوايا النظر، وسط إشادة واسعة بمستوى الورقة وأهميتها، واعتبارها طرحًا نوعيًا يلامس حاجة حقيقية في هذه المرحلة.
وفي ختام ورقته، شدد السديري على أن إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء “معرفة سعودية عن المجتمع السعودي”، قادرة على تفسير التحولات الكبرى التي تمر بها المملكة، بعيدًا عن الاستيراد المعرفي، ومؤسسة لمرحلة جديدة يكون فيها الإنسان فهمًا وتحليلًا في قلب مشروع التنمية.
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)