بواسطة : .
12:08 ص - 2026/06/25 - 4 views
أعرف أن الكلمة أمانة ومسؤولية، وعند الكتابة عن خالد الفيصل يزداد حمل الأمانة وتثقل المسؤولية، لكنني سأكتب بأمانة وباختصار عما أعرفه عن الأمير خالد الفيصل فأقول:
جاء خالد الفيصل إلى مكة المكرمة أميرا معتزاً بثقة المليك،ومدركا لعظم المسؤوليه التي تنتظره، وعالماً بقدسية المكان وأهميته ،قلبه يخفق حباً لمكة وساكنيها ، ويعي جسامة مسؤوليته هذه، ويعرف حدودها.
إلّا أن سموه أيضاً يدرك أنّه مهما عظمت المسؤولية وصعبت، ومهما تعددت المهام وتشابكت ، إلّا أنها سهلة صغيرة، بعد توفيق الله سبحانه ، أمام عزائم العظماء، الذين يستسهلون الصعب ويدركون المنى،
وقد سجل المتنبي هذا بقوله:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير الصغائر
وتصغر في عين العظيم العظائم
والفيصل وفقه الله من العظماء طموحا وفكرا وإرادة و قيادة،بل وقدرا.
أدرك الفيصل هذا كله بنظره الثاقب، وبفكره المتقد،فشمر عن ساعد الجد،وجمع كنانته ونثرها، فاختار أسلمها رأياً، و أمثلها فكرا، وأقواها عزيمة، وأشدها حباً للوطن،وأصبرها على العطاء والإنجاز، وعقد العزم على بناء استراتيجيه تنموية تنطلق من الكعبة المشرفة، وتنصب على
-بناء الإنسان وتنمية المكان- و أسماها بذلك.
و أشرك في بنائها وإعدادها جميع فئات مجتمع منطقة مكة ، من الشباب والمسؤولين ، ورجال الأعمال والإعلام، والأدباء والوجهاء والمثقفين، من خلال ورش العمل واللقاءات والمقابلات والاجتماعات التي أُعدت لهذا الغرض، بإشراف مباشر من سموه.
فلما تأكد من إنضاجها، أعلنها في محفل مهيب (حضره المواطنون ومشايخ القبائل، والمسؤولون والمثقفون ، والوجهاء والأعيان) بأسلوب بليغ مؤثر جذاب، وبعزيمة لا تعرف الكلل ولا الملل.
يحدوه الأمل في تنفيذها على الوجه الأكمل، متوكلاً على ربه واثقاً بعونه وتوفيقه، وقد راهن البعض على فشلها، إلا أن توفيق الله أولاً، ثم عزيمة الرجال المخلصين، بقيادة الأمير الفذ المتسمة بحسن التدبير والمتابعة المتأنية، والتحفيز العالي والمصداقية في القول والعمل، جعلت الكل يشارك في التنفيذ فتحقق أكثر أهدافها، وأُنجز جل برامجها، وتحولت منطقة مكة بمدنها وأريافها ،ومحافظاتها إلى ورشة عمل متكاملة، وشمل التغيير والتطوير كل أجزائها ومكوناتها، وأول ما شمل هيكلة أمارة المنطقة، حيث أوجد بها وكالة مساعدة للتنمية، ولأول مرة على مستوى المملكة يحدث هذا، ثم توالى فتح الكليات بكل محافظاتها، وانبعثت سوق عكاظ من جديد، وعادت المنافسات الثقافية والأدبية والعلمية بين المدارس ، والإدارات التعليمية في ثوب جميل وتنظيم رائع ، جعل الكل يشارك ، وينافس في منظومة جميلة يقودها ملتقى شباب مكة، ووصل الماء إلى قراها البعيدة، وزاد عدد المستشفيات والمستوصفات وعدد الأسرَّة في كل منها، وتم تعبيد عدد من الطرق وتوسعتها، واستحدثت أخرى، ووصلت الكهرباء إلى أقاصي المنازل في أعالي الجبال ،وأطراف الحرار، هذا ، علاوة على المشاريع العملاقة في مكة وجدة والطائف، فعمت المنطقة نهضة لا مثيل لها -تعليمية- عمرانية – ثقافية – صحية-، وحتى يحفز المبدعين ويكافىء المخلصين المجتهدين أعلن جائزة مكة للتميز بأفرعها الثمانية، فتسابق في ذلك المتسابقون وتنافس المتنافسون، فكانت ميعاداً سنوياً للإنجاز والتكريم.
واكب ذلك زيارات – متتابعة ومتلاحقة سنوية – لسموه، استمع من خلالها إلى آراء المواطنين وأصغى إلى طلباتهم ،و تفهم احتياجاتهم، ووقف على سير العمل في المشروعات من كثب، فكان سموه يلتقي بأعضاء المجلس المحلي في كل محافظة ، ورؤساء الدوائر في المنطقة ، وبحضور نخبة من المستفيدين حيث يتم عرض الإنجازات والصعوبات والعوائق، ثم يَسمح بحوار يقوده بنفسه، و يُوَجِّه حالاً، بل وتتخذ القرارات في كثير من المشكلات والصعوبات، وهذا لعمري من أنجح الأساليب القيادية إن لم يكن أنجحها وأفضلها.
فكان حفظه الله يطوي هذه المسافات المتباعدة، استشعاراً للمسؤولية الملقاة على عاتقه، وحباً لوطنه، ووفاءً وخدمة للمواطنين، وقد كان لي شرف مرافقته في كل زياراته التي اتسمت بالتنظيم والدقة في المواعيد، والحرص على إقامة الصلاة جماعة والالتزام بالزمن المحدد.
وكما فتح قلبه للمواطنين، فتح باب منزله لاستقبالهم والاستماع إليهم، فكانت قبة مجلسه مظلة للحراك الثقافي والعلمي والتربوي والإداري، وتبادل الرؤى والأفكار بين فئات المجتمع المختلفة ،وفق جدول محدد الزمن والأعمال، فخرجت أسبوعيات المجلس بكثير من البرامج والأفكار التي تدعم استراتيجية تطوير المنطقة.
ويقع التعليم في أعلى سلم أولوياته واهتماماته، فأشرف على سير العمل في المشاريع بنفسه ووجه بتسهيل إجراءاتها في الأمانات والبلديات والكهرباء، بقراره رقم ( ١٠١١٧١/ أ) وتاريخ ١٤٣١/١١/١٠هـ.
ونالت البرامج التربوية والتعليمية دعمه وتشجيعيه، فحصلت إدارة التربية والتعليم في القنفذة على جائزة مكة فرع التميز الإداري عام ١٤٣٠هـ، كما نالت الإدارة العامة للتربية والتعليم في جدة جائزة مكة فرع التميز العلمي والتقني عام ١٤٣٣هـ، وكذلك حصدت الإدارة العامة للتربية والتعليم بمنطقة مكة المكرمة جائزة مكة فرع التميز الثقافي عام ١٤٣٣هـ.
وعندما صدر التوجيه بإخلاء المباني المدرسية المستأجرة، وقع التعليم في حرج كبير، مما استدعى الأمر عقد اجتماع بيني وبين سعادة مدير عام الدفاع المدني، الزميل العزيز جميل الأربعين، اتفقنا من خلاله على إعطاء التعليم مهلة خمس سنوات للمدارس الحكومية وأربع سنوات للمدارس الأهلية للتخلص من هذه المباني، وبادر سموه الكريم بالموافقة على هذا الاقتراح ،فور عرضه عليه ،وبهذا الإجراء الشجاع طويت صفحة من المعاناة التي كان التعليم في المنطقة يعاني منها.
كما انطلقت عدة برامج تربوية وتعليمية كمشروع القيم النبوية الذي حصلت به منطقة مكة المكرمة التعليمية على جائزة مكة فرع التميز الثقافي، وبرنامج نظافة مكة مسئوليتي (مكة تستاهل) وبرنامج تنمية الشعور بالمسؤولية واحترام النظام.. إلخ، وهذه البرامج تبنتها الإدارة العامة للتربية والتعليم بالمنطقة، بدعم ومشاركة فاعله من الأمارة، وشاركها في التنفيذ جميع الإدارات بالمنطقة.
علاوة على اهتمامه الكبير بسلامة الميدان التربوي، من كل ما يشوب جماله ويعكر صفوه، ويشوش على تحقيق أهدافه التربوية والتعليمية.
ومن الأعمال الجليلة التي ستبقى شاهدة على إنجاز الفيصل وحسه الأبوي القيادي إصداره قراره رقم ٤٥٩٢٠ وتاريخ ١٤٣٠/٣/١٤هـ القاضي بتكوين لجان برئاسة أمناء المدن في مكة وجدة والطائف لتوفير الأراضي للمدارس المستأجرة وتضمن عدة توصيات منها:
تفعيل قرار نزع الملكية لصالح التعليم في الأحياء التي لا يتوفر بها شراءأراضٍ، ونزع ملكية أي أرض ما دامت مخصصة لمرفق تعليمي ، ضمن المخططات المعتمدة ،بسعر المثل ضمن ميزانية المشاريع التنموية لأي مبنى مدرسي تنزع ملكيته ،وتضمين البدائل حسب حاجة التعليم، وبهذا حاز الفيصل قصب السبق في إيجاد الحل الأمثل للمستأجرة.
وفي خضم هذه الإنجازات المتلاحقة والفيصل يرسم بريشته معالم المستقبل المشرق لمنطقته، جاء أمر ولي الأمر بتعيينه وزيراً للتربية والتعليم، الأمر الذي جعل الكثير يعتصر ألماً، لكن خفف ذلك كونه كلف بمهمة تمس مستقبل الوطن بأجمعه، وأن خليفته هو الأمير الشاب مشعل بن عبدالله آل سعود.
وبهذا يتضح أننا أمام شخصية قيادية ذات منهجية متعددة المواهب، تتحقق فيها القيادة الموقفية، والقيادة التحويلية، والقيادة الأبوية والرعوية، والقيادة المباشرة، ولست مجانباً للصواب إذا قلت: أن منهج خالد الفيصل في الإدارة يجب أن يدرس في جامعاتنا، ويدرب عليه في مراكز التدريب والتطوير، فهو المواطن القوي الأمين، ولا نزكي على الله أحداً.
حفظه الله، ورعاه، وحفظ ولي أمرنا سلمان، وولي عهده، وبلادنا ، وشعبنا من كل شر .
اللهم آمين
بقلم / حامد بن جابر السلمي
مدير عام التعليم بمنطقة مكة سابقا
جدة ٩ من الشهر المحرم عام ١٤٤٨هـ
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)