بواسطة : .
10:07 م - 2026/09/26 - 3 views
في أحد الاجتماعات، كان المدير يستعرض نتائج الشهر حين توقف عند رقم لم يكن يتوقعه، رفع عينيه عن التقرير وسأل فريقه: «من يستطيع أن يفسر لي ما حدث؟» ، لم يجب أحد. ساد الصمت للحظات، ثم رفع أحد الموظفين يده بتردد وقال: «لدي تفسير، لكن ربما أكون مخطئًا» ، لم ينظر إليه المدير باعتباره شخصًا غير واثق من نفسه، ولم يختصر الحديث بعبارة تنهي الاحتمال، بل قال: «قل ما لديك، حتى لو كنت مخطئًا، المهم أن نعرف ما الذي نراه من زوايا مختلفة».
بدأ الموظف حديثه، ثم شاركه زميل آخر بملاحظة، وأضاف ثالث معلومة لم تكن في التقرير، وبعد دقائق اكتشف الفريق أن الرقم لم يكن المشكلة أصلًا؛ المشكلة كانت في افتراض سابق لم يراجعه أحد ، في تلك اللحظة لم يكن المدير قد وجد تفسيرًا لرقم فحسب، بل كان قد صنع شيئًا أهم بكثير، شيئًا لا يظهر في التقرير ولا يدخل بسهولة في مؤشرات الأداء: جعل موظفيه يشعرون أن بإمكانهم الكلام.
وهنا تبدأ قصة الأمان النفسي ، فالموظف الذي يشعر أن بإمكانه أن يقول «لا أعرف»، أو «أعتقد أننا أخطأنا»، أو «لدي رأي مختلف»، دون أن يخسر احترامه أو تتغير نظرة مديره إليه، يصبح أكثر استعدادًا لأن يضع الحقيقة على الطاولة قبل أن تتحول إلى مشكلة ، أما حين يتعلم الموظف أن السؤال قد يُفسر ضعفًا، وأن الاختلاف قد يُحسب تحديًا، وأن الاعتراف بالخطأ قد يتحول إلى إدانة، فإنه سيتعلم شيئًا آخر أكثر خطورة: أن الصمت أكثر أمانًا.
ومن هنا لا يعود الأمان النفسي مسألة تتعلق براحة الموظف فقط، بل يصبح مسألة تتعلق بجودة العمل نفسه؛ لأن المؤسسة قد تمتلك الكفاءات والخبرات والمعلومات، لكنها لن تستفيد منها إذا اختار أصحابها الاحتفاظ بها داخلهم. قد يرى الموظف خللًا ولا يتحدث، ويلاحظ خطرًا ولا يرفعه، ويمتلك فكرة ولا يقترحها، ليس لأنه لا يريد مصلحة العمل، وإنما لأنه لا يعرف ماذا سيحدث له بعد أن يتكلم، وهنا تتغير مهمة المدير ، فليس مطلوبًا منه أن يوافق على كل رأي، ولا أن يحول مكان العمل إلى مساحة بلا محاسبة، وإنما أن يجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يصبح تهديدًا، والخطأ قابلًا للنقاش دون أن يتحول إلى إهانة، والسؤال بداية للتعلم لا دليلًا على القصور ، يستطيع أن يقول لموظفه: «هذا القرار يحتاج إلى مراجعة»، دون أن يقول له بطريقة تجعله يشعر: «أنت لا تفهم» ، يستطيع أن يحاسبه على خطأ، وفي الوقت نفسه يسأله: «كيف حدث؟ وما الذي نحتاج إلى تغييره حتى لا يتكرر؟».
والفرق بين الجملتين ليس لغويًا فقط؛ إنه الفرق بين مدير يبحث عن شخص يحمّله الخطأ، ومدير يبحث عن طريقة تمنع تكراره ، ومع تكرار هذه المواقف يبدأ الموظف في تغيير سلوكه من تلقاء نفسه ، يصبح أكثر جرأة في طرح الفكرة، وأكثر سرعة في الإبلاغ عن المشكلة، وأكثر استعدادًا للاعتراف بما لا يعرفه، لأن التجربة السابقة علمته أن الكلام لن يُستخدم ضده ، وهنا لا يعود الأمان النفسي علاقة فردية بين مدير وموظف، بل يبدأ بالانتقال إلى بقية الفريق، ثم إلى الإدارة، ثم إلى المؤسسة كلها حتى يصبح جزءًا من ثقافتها.
فالمنظمة لا تصنع ثقافتها بما تكتبه فقط، وإنما بما يحدث عندما يتحدث الإنسان ، إذا تحدث الموظف فقوطع، سيتعلم الآخرون الصمت ، وإذا اعترف بالخطأ فتمت إهانته، سيتعلم الآخرون إخفاء أخطائهم ، وإذا طرح رأيًا مخالفًا فقوبل باحترام حتى مع عدم الأخذ به، سيتعلم الفريق أن الاختلاف ليس خطرًا ، ومع الوقت تصبح هذه المواقف الصغيرة قواعد غير مكتوبة، أقوى أحيانًا من اللوائح نفسها.
ولهذا قد يكون السؤال الأهم الذي تستطيع المؤسسة أن تطرحه على نفسها ليس: «هل لدينا سياسة للأمان النفسي؟»، وإنما: ماذا يحدث عندما يقول الموظف الحقيقة؟ هل نسمعها قبل أن نحكم عليها؟ هل نشكر من اكتشف المشكلة بدل أن نبحث عن سبب لمعاقبته؟ هل يستطيع المدير أن يسمع رأيًا لا يوافقه دون أن يشعر أن سلطته مهددة؟ وهل يستطيع الموظف أن يعود إلى مكتبه بعد اجتماع صعب وهو يشعر أنه قال ما يجب أن يقال؟
هنا يظهر الأمان النفسي في صورته الحقيقية؛ ليس شعارًا في عرض تقديمي، ولا عبارة جميلة في قيم المؤسسة، وإنما شعور يتكون من عشرات المواقف الصغيرة التي تقول للموظف شيئًا واحدًا: يمكنك أن تتحدث ، لأن المؤسسة التي تجعل الكلام آمنًا، تجعل الحقيقة تصل إليها مبكرًا، والخطأ يُكتشف أسرع، والأفكار تجد طريقها إلى الطاولة، والموظف لا يعمل وهو منشغل بحماية نفسه بقدر انشغاله بحماية عمله.
وفي النهاية، لا يُقاس الأمان النفسي بعدد المرات التي أخبرنا فيها موظفينا أنهم يستطيعون الكلام، بل بعدد المرات التي تحدثوا فيها فعلًا عندما كان الصمت أسهل ، فهناك، في تلك اللحظة تحديدًا، نعرف إن كنا قد بنينا بيئة عمل آمنة… أم مجرد بيئة تعرف كيف تتحدث عن الأمان .
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)