بواسطة : Aaron Salaam
8:37 ص - 2016/04/10 - 234 views
فيصل الجهني ـ جدة
—————————–
ذاكرة المدن:(انسان)مر من هنا!
(١)
الفضاء المكاني الذي يتحرك فيه الانسان يكتسب
أهميته من جانبين :بقدر مايمثل -أولا-مسرحا للشخصيات لتتحرك
عليه ممارسة نشاطهاالانساني،وثانيا:
عندما تكون له قيمة في ذاته..في تاريخه وأصدائه وألوانهورائحته،والتي(يتميز)بها عن جميع الأماكن الأخرى..
القيمة الأولى نفعية بتمامها وكمالها
والقيمة الثانية تتضمن الكثير من القيم الجمالية والمعرفية والانسانية..
(٢)
لازلت أذكر-على سبيل المثال-سمرقند في رواية
أمين معلوف التي تأخذ اسم المدينة نفسها عنوانا لأبوابها السردية الباذخة..ولا زالت ذاكرتي تحتفظ
بالتأثيرات الهائلة لأحياء الجمالية والحسين في مصر،التي(أبدع)رائد الرواية العربية نجيب محفوظ في نقل
ملامحها و(عوالمها)المفعمة بصخب الحياة وتعقيداتها..كذلك،(الحي اللاتيني)لسهيل ادريس
(الصحراء الغربية)في روايات إبراهيم الكوني..(طنجة)في أكثر أعمال الروائي المغربي محمد شكري..(الأديرة)في رواية امبرتو إيكو”اسم الوردة”..ويمكن أن تضاف إلى هذه القائمة المكانية
الفاخرة مدينتنا الأثيرة (مكة المكرمة) في روايات
الروائية السعودية رجاء عالم..
..جميع هذه الأماكن،تكمن قيمتها في ذاتها بعدة
تأثيرات جمالية معرفية،لاتبرح الذاكرة..أبدا!
(٣)
أزعم أن تلك الأماكن في تلك الأعمال الأدبية،هي
ذاتها في العالم الحقيقي،متى ماتفاعلت باستغراق
تام مع الوعي الباطن للشخصيات التي تسكن إليها،بمعنى أن الانسان ذاته هو الذي يمنح لتلك
الأماكن خصوصيتها وهويتها وتأثيراتها التي لاتشبه غيرها،في اللحظة التي لايقتصر على النظر اليها من زاوية نفعية مادية ضيقة،تغيب عندها كل القيم
(الجمالية والمعرفية)السابق ذكرها..
(٤)
المدن التي ليس لها ذاكرة..تاريخ..التصاق حميمي بالانسان الذي يعيش فيها..هي مدن(فارغة)..مكان(عابر)..للأكل والتكاثر وكسب المال(ليس إلا)!لاتبقى على الاطلاق في ذاكرة التلقي والحياة..
(٥)
ولعل أصدق مثال على تلك الأماكن الخالدة،المدن الإيطالية في(واقعها)و(أدبها)،والتي يتجلى فيها الانسان،بكل مايملكه
من إمكانات وأدوات وفكر وفنون..
(٦)
إليكم(فلورنسا)الايطالية،بصياغة الروائي الأمريكي دان براون في روايته الجديدة(الجحيم):
“تحتي،على مسافة بعيدة جدا،انتشرت أسطح القرميد الأحمر مثل بحر من وهج فوق الحقول،منيرة الأرض الجميلة التي عاش عليها العمالقة فيمامضى…جيوتو،دوناتيلو،مايكل أنجلو،
بوتيتشيلي.”
..”في قلب الأفق،بدأت تظهر قبة جبلية من القرميد
الأحمر،قمتها مزينة بكرة نحاسية مذهبة تلمع مثل منارة،أيل دومو.لقد صنع برونيليسكي التاريخ المعماري عندما صمم تلك القبة الضخمة،والآن بعد
أكثر من خمسمائة عام،مازال البناء الشامخ في مكانه.”
وفي سياق آخر:”حدائق بوبولي نتاج مواهب التصميم الفريدالذي تمتع بها كل من تريبولو،وجورجيو فاساري،وبوونتالينتي الذين أنتجوا معا هذه التحفة الهندسية الممتدة على مساحة١١١آكر..”
(٧)
المكان الذي يتجلى سابقاوثيق الصلة(تماما)
بالانسان الذي يعيش فيه..بكل مايزخر به ذلك
الانسان من مشاعر وفن ومعرفة..مكان يظل في
جدل ديالكتيكي مع شخصياته إلى مالا نهاية..
مكان يجسد تاريخ إنسانه ذاكرة وجغرافيا وحضارة..كأجمل مايكون(التجسد)..
(٨)
لست راغبا اللحظة في(تعكير)هذه الأصداء المكانية الفاتنة..عندما أنقل البوصلة في اتجاه
مدننا الحبيبة..لأنكم ستقولون حتما:”ياااحسرة!”
لأن المكان لدينا بيوتا(فقط)لتأوينا من مصائب الزمان،وشوارع نمتطيها(فحسب)لكي نذهب من خلالها للعمل صباحا..وللإستراحة مساء..
ليس ثمة قيم جمالية ومعرفية من أي نوع.. أما القيم التاريخية فهي لاتتجاوز حيا صغيرا واحدا
في مدينة جدة وأربعة بيوت(شعبية)في مدينة الطائف..أما مكة المكرمة والمدينة المنورة فلم يتبق فيها سوى مالم تقدر أيدي الجهل على إزالته وتسويته بالأرض(الساكنة)أبدا..الجبال الشاهقات
فحسب!!
(٩)
على الأرض مايستحق الحياة..عندما نعيش في(مدن) من ذاكرة وحنين!
أعجبنى
(0)لم يعجبنى
(0)