بقلم : عبدالرحيم نافع الصبحي
ليس الصمت في الشعر غيابا للكلام بل هو حضور من نوع آخر حضور يملأ الفراغ بالمعنى ويجعل المسكوت عنه أبلغ من الملفوظ فالشاعر حين يسكت لا يعجز بل يختار أن يترك للقارئ شراكة في صناعة الدلالة وكأن القصيدة لا تقرأ فحسب بل تستكمل
ففي البلاغة العربية يتجلى الصمت عبر الحذف والإيجاز والإضمار والتورية فحين يحذف الشاعر ما يفهم من السياق فإنه لا ينقص المعنى بل يضاعفه لأن القارئ يستدعى لملء هذا الفراغ فيصبح النص مساحة مشتركة بين البوح والتأويل
يقول المتنبي :
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فالبيت في ظاهره دعوة إلى الطموح لكن ما لم يقل فيه هو الأبلغ إذ يترك للقارئ تصور معنى الدون وحجم الخسارة في القناعة فيتسع المعنى بالصمت أكثر مما يتحدد بالكلام
ويتخذ الصمت شكلا آخر في الوقفة والتقطيع حيث تصبح المسافة بين الكلمات جزءا من الإحساس لا مجرد فاصل لغوي كما في قول نزار قباني :
وأحبك حتى تعب الحب من حبي
فما بين العبارة وما بعدها صمت ممتد تختبئ فيه مشاعر لا تسعها اللغة وكأن الشاعر يبوح ثم يترك ما لا يقال معلقا في وجدان المتلقي
وفي لحظات الحزن والفقد يتجلى الصمت أكثر بلاغة لأن اللغة تقف عاجزة أمام عمق التجربة كما عند محمود درويش حين يقول :
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
فهي عبارة موجزة لكنها تفيض بما لم يذكر وتفتح بابا للتأمل في كل ما يمكن أن يمنح الحياة معنا فيأتي الصمت هنا مساحة يتشكل فيها المعنى وفق تجربة كل قارئ
ويظهر الصمت أيضا كقيمة جمالية حين يكتفي الشاعر بالإشارة دون التفصيل كما في بيت أبو تمام :
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس
فهو يجمع صفات عظيمة في تركيب موجز ثم يترك للقارئ استدعاء سير هؤلاء واستكمال الصورة في ذهنه .
إن بلاغة الصمت في الشعر تمثل ذروة النضج الفني حيث لا يكون القول غاية بل وسيلة ولا يكون الصمت نقصا بل اكتمالا فالشاعر الحقيقي لا يقول كل شيء بل يقول ما يكفي ليوقظ في القارئ ما لا ينطفئ
وهكذا يبقى الصمت في الشعر لغة خفية لا تقرأ بالحروف بل تدرك بالبصيرة لغة لا تسمع لكنها تصل إلى القلب في أعمق مواضعه وتبقى فيه أطول مما تبقى الكلمات نفسها .