بواسطة : .
11:08 ص - 2021/10/24 - 1٬010 views
الوثاق – إيمان بـدوي
أصدرت الكاتبة شيماء محمد كتابها الرابع ( انتشلوني من بين أحضانك) تضمنت سطوره نصوص أدبية تشد القارئ ليمر عليها و ليستلقي على مرافئها و ليحاكي لآلئها ! جاء هذا الإصدار عن دار الرائدية للنشر و التوزيع ، و حين سألنا الكاتبة شيماء عن عنوان الكتاب و عن مدى وقوف القارئ أمامه ، قالت: الأمر يرمي إلى غرض واحد ولكنه يختلف من مشاعر إلى أخرى.
ما زالت المشاعر متخبطة إلى حد لا يستهان به فلا تستطيع أن تنقذ غريقًا فقد الجزء الأعظم من حياته.
هنا يقف الكثير عند عنوان الكتاب والسؤال متكرر : ما هي الغاية أو ما هو الغرض من اختيار هذا العنوان؟
الغاية تُقشعر البدن، تنثر تاريخ الوجع الذي ارتطم بي وبلغت إلى أقصى الغايات وهو الذي يتجه إليه الفعل.
عندما اخترت عنوان كتابي الرابع (انتشلوني من بين أحضانك) اخترته من فَجرِ اللَّقَاءِ الأخير … من انكسار قلبي المتأذي من الفراق، من الموقف ذاته أيضا.
عندما انتشلني أخي من حضن والدي، من لهب الشوق الكظيم قطع حينها شريان الأمل، كنت في وضع يرثى له كنتُ أحترق من جمر الأنفاس لا أنسى قبلاتي قبلة تلحقها آخرى والدموع المنسابة على خده قبلتهُ عشر قبلاتٍ فقط وإن لم ينتشلني أخي لكانت ازداد القبلات والعناق إلى أن يغشى علي بين أحضانه.
و أضافت : عند أول ليلة بعد الفراق رأيتُ والدي من نافذة غرفتي.. كان المشهد مروَّعًا، وبما أنني رأيتهُ، أغمضتُ عينَيّ حينها بقوة شعرتُ بأنني تحت سطوة الخيالات، والتصورات الجنونية.. لم أعد أعرف ماذا أفعل، كلّ شيء في وقته كان يسير برعب، حتى أني بقيتُ في مكاني، بينما كلُّ شيء في داخلي كان مقلوبًا رأسًا على عقب.
كم من الصعب أن نتعافى بصدق ونحن لم نزل نعيش مع الذكريات، التي ربما لا يمكن مقاومتها.
نخدع أنفسنا حين نظنُّ في كلَّ مرةٍ بأننا نستطيع التجاوز .. ربما أكثر صعوبة تلك الحالة عندما تكون متمسكًا بالحياة رغم كل آثار السلبية. تحتاج قوة أعظم من قوتك التي تخونك في كل مرة.
وَلا بأس في أن نعترف بأنَّنا نحتاج إلى بعض المساعدة!
نظن أحياناً أننا نملك من المعرفة والخبرة ما قد يؤهلنا لإنقاذ ارواحنا، نخبر أنفسنا بأن تلك هي عادة الحياة، نحاول أن نهوِّن علينا بلاءاتنا، بل ربما نبرّر الأمر أكثر بمفاهيم الرضا، والصبر.
ثم أكملت : لم يكن هذا الأمر معقولاً، كنت أقترب من حافة الموت، في ذلك الوقت دخلت في مرحلة الاكتئاب وهو مرض خطير يصيب الأفكار. لا زلت أتذكّر اليوم التي ماتت فيه نفسي، حتى تلك اللحظة لم أفهم معنى الاكتئاب، ولم أعرف عنه سوى أنني كنت أخاف أن أغمض عينَيّ من شدة الخوف ولا زلت. كنت أخاف أن أرى صورة والدي الأخيرة، أتذكّر أنني كنت مذهولةً من بقائي على قيد الحياة، ليسَ وصفًا دراميًا، ولكن انقطاع الأكسجين، والانتفاضات التي تأتي إلي بشكل مستمر، جعلتني أشعر بشعور غريب كأنها اللحظة الآخيرة، كنت أشعر بنوبات من الهلع عندما أسمع رنين الهاتف، أو عندما تناديني أمي، آآآهٍ لو استطيع إيجاد شيء يخفف عني هذا العذاب النفسي، لم تتوقف النوبة حتى الآن. قلبي ينبض بسرعة وقدماي ترتجفان، ولم يساعدني الأكسجين على التحسّن ..
و عن شعورها الذي تعيشه ، قالت : مرهقة هذه الحياة الكالحة لا أعرف كيفَ أشعُر ولا كيفَ أكون.
عندما أشعر بأنني في أسوأ حالاتي، كنت أفكر كيف بإمكاني أن أشرح لأهلي ما حدث لوجهي، أشعر كأنني أُسجن داخل عقلي. وَبلا شك الأمر ليس يسيراً، تمر عليك أيام صعبة، وأشياء تشغل بالك، ما أريد قوله اليوم، هو أنني سهلة التأثر بأي نوع من أنواع الضغط. وهذا لا يسعدني كثيرًا؛ تود حقاً أن تتبع الطريق السلمي، أن تشعر بأنك تعيش في مكان يناسبك، يوافق توقعاتك وأحلامك، في كل مرة يقول لي فيها أحدهم تستطيعين، ولكن قضيت فترة طويلة أبى أن يزورني الفرح فيها. نعم المشاعر تختلف وأدركت أنني لست الوحيدة في هذه الهاوية، فالمئات، وربما الألوف منهم يعيشون تلك الأحداث بمرارتها، احتجتُ إلى وقت طويل كي أستوعب في أيّ زمان أنا، وفي أي مكان، من الذي تحت الأرض أنا أم والدي، كانت الحياة مظلمة أحسست بكلّ أوجاع البشر، ولا أستطيع أن أقول كم هو غريب ومرعب هذا الشعور، ربما تظنون أننّي مجنونة، لا، لستُ كذلك. ليسَ بعد، كل ما في الأمر أنّ قلبي أصبح لا يَخشَى الاحتِراقَ من بعده وَلا الغَرق وَيَبدُو أنّهُ رَفِيقُ النّارِ الآن.
يرسم الحزن ملامحي بِجُرأة، وكأنه يخبّر الحياة بأنني غير صالحة للفرح. أشعر بالريبة تنخرُ أنفاسي، أشعر
أنّ الحزن يفترسني بقوّة، ولستُ بخير لديّ اضطربات في القلب مُذْ رَحلَ أبي.
تمزّقتْ جسور أنفاسي، أشعر بالاختناق بكل ما يحيط حولي ولا أتحمل شيء، حتى ضوء الهاتف يخنقني كرهت الوجوه بعده كرهت أصواتهم، ونبراتهم، وضحكاتهم، وأشفقت كثيرًا على نفسي. عندما فقدت توازني، سقطت بيأس الصمت ولم أسمع صوتًا سوى هسهسة مكتومة داخل صدري،
رسالتي هذه لك أنت، أنت تشعر بي لأنك مررت بما مررتُ بهِ تتساقط دموعك وأنت تقرؤني أعلم جيداً أنني على حق وأعلم بأن قلبك أصبح ضعيفًا من شدة الحزن
نحن نحتاجُ على الدّوام إلى من ينعشُ قلوبنا، من يخبرنا بأننا بخير، يطمئن حنيننا وشوقنا، من منا يشعر بالسعادة الكاملة ، غابتِ الوجوهُ والبيوتُ باقيةٌ، تحتضن ذكرياتهم ، ولكننا وبطرائق أخرى قد نُرمَّم قلوبنا بمسكنات دينية تُعلَّمنا كيفية إدارة مشاعرنا.
في الختام كانت تلك النصوص توثيقاً لتجربة تتكرر كثيرًا بكل تفاصيلها، سردتها من ألم الفراق سردتها لأنه رحلَ سريعًا دون وداع .
أحد نصوص الكاتبة شيماء محمد :
(شمسكَ والقناديل) نافذتي توشحت بكَ يوماً.
مشهد أخَّاذ سلبني بؤسي. أغمضت عينيَّ عليك كي لا أفقدك مجدداً.
الوقت يسير مع قافلة أضاعت دربها في الصحراء.
كيف أتعافى من الذكريات وهي كل ما أملك؟!
وأية قوة ستنتشلني من يَمَّ الدموع المتلاطم هذا؟! أَيَا مَن يساعدني بجرعة من الصبر؟! أيا من يواسيني بقطعة من الحياة؟!
لا نجاة لروحٍ فقدت أنفاسها. ولا فكاك من ضياع أضاع زمامه.
والاقتراب من الموت لا علاج له سوى الموت أو النجاة. فأين النجاة من هذه الليالي المظلمة!
الهواء ينحسر في قلق، وبقايا هتاف أمي يتحسس ما بقي
من أعصابي.
فلا أقوى على المسير، وترتعش أوصالي.
ولا تزال النوبة في أولها، ولا تزال دموعي لم تنضب بعد.
إرهاق يتوسد كل الزوايا. وأثوابي ما عادت لها رقصة أو لغة.
انطفأت القناديل بغياب شمسكَ يا أبي.
حسابات الكاتبة في مواقع التواصل الاجتماعي :
Sh_eee_m
أعجبنى
(5)لم يعجبنى
(0)